تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

-في عروضه الأخيرة- التشدد في اقتضاء الاعتراف المسبق بالاستقلال كشرط أساسي لكل بادرة تفاوضية من أي نوع، على الرغم من أن مبدأ الاستقلال هذا لا يزال باستمرار النقطة الرئيسية التي تستهدفها الثورة الحالية.

والذي يستشير الانتباه خاصة أن هذه المرونة الملحوظة التي يعبر عنها موقف الحكومة الجزائرية من التفاوض غير «المجدول» 1) لم تكن في أساسها نتيجة لضعف أو تراجع أو انحلال، بل إنها -على النقيض من ذلك- صاحبت فترة نمو غير عادي في الطاقة الحربية الوطنية، وتطور كبير في فعاليتها وامتدادها، وهذا ما تبرهن عليه المجريات العسكرية في الجزائر خلال الشهور القليلة الماضية، فقد أمكن للمراقبين أن يلحظوا مدى التطور العميق الذي طرأ على مستوى الصراع في أغلبية الواجهات العسكرية، كما أمكنهم أن يسجلوا -نتيجة لهذا التطور- مقدار النجاح الذي غدت الفرق الوطنية تحرز عليه في مختلف الميادين وما أصبح لكل ذلك من تأثير على توازن القوى بين المعسكرين المتقاتلين (معركة عنابة مثلا).

فإذا كان الرئيس الجزائري إذن لا يفتأ يوالي عروضه المتتالية من أجل التفاوض، فذلك لا يعكس -في الواقع- حالة تهالك على الاستسلام الرخيص غير الهادف، وإنما هو تعبير عن حقيقة الروح الإنشائية التي تسود عقلية القادة الجزائريين .. تلك الروح التي تقدر الحرب على اعتبارها أنها أداة لا هدف وتعتبر التفاوض كطريق أمثل لإنهاء الخلافات وحل المعضلات، فهل للمسؤولين الفرنسيين أن يتقمصوا هذه الروح الإيجابية الخيرة.؟

آراء أجنبية:

دو لاطاي: كاتب

هل هناك من قاعدة أساسية لتحقيق مبدأ الإدماج الذي يتغنى به الكثيرون؟

إن هذا الإدماج إذا جردناه من تعقيداته التفصيلية، ووضعناه في إطاره الأولي البسيط فإن مضمونه حينئذ سيكون مرادفا لتلك العبارة التي تحتوي عليها مصنفاتنا التاريخية المدرسية والتي مؤداها «أنه ليس هناك في الجزائر من أهليين وفرنسيين وليس هناك إلا الفرنسيون فقط ... »

فهل في ميسورنا حقا أن ننهض بعبء هذه المسؤولية؟

إذن النجاح في تحقيق مثل هذه التأكيدات على اقتناع المعنيين بها، ثم على إخلاص المدافعين عنها فكريا وخلقيا.

ولكن هل نجد هذا عند أفراد هذه الأستوقراطية المالية، أولئك الذين تمركزوا في البلد ثم أصبحوا يستأثرون بمقدراته الاقتصادية؟ عند هؤلاء المعمرين الذين أضحى بعضهم في الوقت الحاضر يبتاع راحته وطمأنينته بتسليم المبالغ النقدية إلى رجال الثورة.

هل نجده عند هذا الحشد من «صغار البيض»؟ هؤلاء الموظفون البسطاء، هؤلاء العمال والصناع والمحترفون البؤساء أحيانا، والذين رغم ذلك يوجدون وصدورهم تتأجج بأفكار عنصرية طاغية يستوحونها من شعور دافق بالاستعلاء الجنسي؟ هذه العناصر العمالية التي من المفروض لها أن تجنح دائما إلى اليسار والتي تبدو هنا كأقوى سند سياسي لليمينية المتطرفة؟

هل نلفيه عند هؤلاء المسلمين من قدماء المحاربين؟ هؤلاء الذين كم أنيطت بهم أوسع الآمال، والذين يوجدون -رغم ذلك- وهم لا يشكلون إلا أقلية ضئيلة التمثيل للرأي الإسلامي؟

وعلى كل، فهل يوجد في الواقع رأي إسلامي؟ هل يوجد نوع من «الرأي العام» الذي يستمد مطامحه من جامعة جنسية أو تاريخية أو ثقافية؟ تلك مسألة ليس من الجائز البث فيها بمجرد النفي المجرد، فليس ممكنا بحق إلغاء حقيقة ما عن طريق الاعتماد على بعض التأكيدات، أما هذه الحقيقة فتتمثل في نوع من الشعور - غامض ولكنه قوي- بوجود رابطة مشتركة تحدد المصير، وضمن هذا المجال يتحدد مدلول عبارة «الشخصية الجزائرية» ويتضح مفهومها بشكل جلي وملحوظ.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٠٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٠٨