تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد عبر عن ذلك بيان الحكومة الجزائرية في الموضوع حيث أوضح في 16 دجنبر الماضي: «إن إثارة اللجنة السياسية للجمهورية الجزائرية بالتساوي مع الحكومة الفرنسية ليس له إلا أن يعد نصرا لامعا للشعب الجزائري .. » والواقع أن الظاهرة الاتجاهية التي كان من اللازم أن يتميز بها جو المناقشات والمقررات حول الجزائر في تلك الدورة لم تمر دون أن تؤكد جذرية التأثير الذي أحدثه طرأ الحكومة الجزائرية على الميدان الدولي، فقد كان هناك بحق من العناصر القانونية والإنسانية والاعتبارية ما يكفي لصياغة الشكل التام المتميز لقضية عادلة كقضية الشعب العربي في الجزائر، وكان ثمة من الوجود الفعال لجبهة التحرير ما يجدي في تكوين الهيكل الأساسي الذي يجسد هذه القضية ويمنحها شكلها المظهري المادي، إلا أن ذلك كله لم يكن ليجزئ في تركيز القضية وبلورتها حول محور دولي بعيد المدى، كالذي أصبحت عليه بعد بروز الحكومة الجزائرية، ولهذا فقد كان من الحتمي أن تأخذ اتجاهات الدول- في موضوعها- خلال الدورة الأخيرة مفاهيم جديدة تختلف باختلاف الاتجاه سلبا أو إيجابا، وهذا ما تعكسه منطويات الاقتراع الذي أفضى إليه الأمر في اللجنة السياسية الخاصة، لقد كان التصويت الإيجابي الذي منحته كثير من الدول غير المعروفة بالجمهورية الجزائرية ذا دلالة واسعة الأهمية، لأنه كان يشكل شبه اعتراف بهذه الجمهورية، كما أن امتناع دول أخرى عن التصويت لم يكن ثمة مناص من تأويله باعتبار بادرة تعبير عن عدم الشعور بالرفض المطلق لمبدأ قيام هذه الجمهورية، وهذا من أضخم المكاسب التي كان من المفروض إحرازها كنتيجة لحادث19 شتنبر الخالد.

والأهم من ذلك أنه كان من بين الحكومات الممتنعة في المجلس العام أعضاء بارزون في نظام الدفاع الأطلسي (تركيا، النرويج الدنمارك، ايسلاندا) كما أنه كان من بين المصوتين من يرتبط بكثير من وشائج القربى السياسية بالكتلة الغربية الأطلسية (اليونان، إيران، الباكستان) هذا بالإضافة إلى سلبية موقف الولايات المتحدة الذي كان بحق ينطوي على مضامين سياسية استثنائية.

والواقع أن نظرة «واشنطون» لمجموع القضية قد بدأت بعد ذلك تتعدل تعدلا جوهريا، وقد كان من آخر مظاهر ذلك التعدل البيان الذي كان قد أفضى به السيد جورج آلان مدير الاستخبارات الأمريكية (فاتح يوليوز الماضي) والذي يعبر عن مشاعر القلق الطاغي في الولايات المتحدة أمام الجمود الكلي الذي ينطبع به موقف فرنسا في الجزائر.

وقد كان البيان بحق تعبيرا صريحا عن رأي «واشنطون» ولهذا فقد أثار - كما هو المفروض- موجة من الانطباعات المريرة في دوائر فرنسا الحاكمة وفي أوساط الغلاة على السواء، وكان من الضروري أن يتضاعف تصلب الموقف الفرنسي من مجموع الحالة الناشئة عن وجود الحكومة الجزائرية نتيجة لتعاقب هذه التطورات السياسية التي توجد حكومة السيد عباس في أساسها، وقد بدا واضحا أيضا أن يزيد ذلك في حدة الحملات الصاخبة التي تميز موقف المسؤولين الفرنسيين من هذه الحكومة، وقد تتابعت الوقائع بعد ذلك على نحو يشعر بأن ردود الفعل الفرنسية - في هذا المقام - كانت خلال السنة الحالية تكاد تنحصر في اصطناع أجواء من حرب الأعصاب حول الوزراء الجزائريين، والواقع أن المكتب الخامس الفرنسي لم يدخر - في هذا المجال أي مجهود، ومن هذا الموطن بالذات يمكن تحديد منشأ هذه القصص العديدة التي زخرت بها المصادر الصحفية الفرنسية طوال الشهور الماضية والتي كانت كلها تتركز حول محور أساسي: إقناع الملأ بأن الحبل قد انتكث بين أعضاء الحكومة الجزائرية من جانب، ثم بين الحكومة وجيش التحرير من جانب آخر، وقد اتجهت هذه المدعيات كل متجه واستطردت أشكالها وتتابعت إلى الدرجة التي توحي بأنه كان هناك تخطيط مدروس وجهاز منظم يوجه وابلها توجيها منهجيا وهادفا، وإذا ما استقصينا مناحي هذه المدعيات فإننا نلحظ أنها تتركز حول المواطن الآتية:

1) الانقسامات الاتجاهية من يمينية ويسارية، شرقية وغربية.

2) انعدام التناسق في أساليب العمل بين العناصر السياسية والعسكرية.

3) استشراء روح التفوق الفردي واحتدام الصراع الناشئ عن التنافس الشخصي.

ومن الجلي أن مصالح الحرب السيكولوجية الفرنسية - الموجهة الرئيسية لهذه المدعيات - لم يكن في ميسورها الاقتدار على إصابة أي هدف من الأهداف السابقة، فالحكومة الجزائرية لم تفتأ تعبر عن كثير من

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧١٠