ظواهر التماسك والاستقرار، سواء داخل الجهاز الذي تشكله مصالحها المركزية أو في حظيرة المنشآت التي تتكون منها إطاراتها الجهوية والإقليمية، ولم يبدو ما يجوز أن يعتبر نذير تصدع أو إرهاص ترجرج أو اضطراب في اتجاهاتها الخاصة أو العامة، وإذا كان ثمة ما يمكن أن يفترض من وجود اختلاف في الرأي أو تباين في التفكير بين المسيرين الجزائريين فذلك لا يكون في الغالب إلا بقدر ما تحدو إليه الرغبة المشتركة في استعراض جميع أوجه الرأي ومناقشتها، ومن شأن هذه الروح إذا سادت أن تقود دائما إلى وضع التخطيطات الناجحة التي تستوعب جميع الاعتبارات، وذلك من عاديات الأمور بالنسبة لكل حكومة تحدوها -في سبيل تحمل مسؤولياتها- روح من الالتزام والدقة والإخلاص.
وقد أكد هذه الحقيقة البديهية أحد الناطقين الجزائريين بالقاهرة، وذلك حينما قرر في شهر مايو الماضي لمندوب إخباري فرنسي «لا يوجد ثمت أي خلاف حول الأهداف الوطنية الأساسية، إن استهداف الاستقلال كغاية رئيسية للتفاوض مع فرنسا هو محور الاتفاق عند الجميع ... »
وقصة الصراع بين العناصر «الشرقية» و «الغربية» داخل الحكومة الجزائرية هي أيضا قصة غريبة وظريفة وقد تركزت المدعيات الفرنسية حولها عل نحو يوحي بأنها تعد -عند خبراء المكتب الخامس الفرنسي- من أهم عناصر الحرب السيكولوجية المشنة على أعصاب الشعب الجزائري، ولكنها - مع ذلك- كانت تبدو تافهة هزيلة بقدر ما كان يشتد حرص المختصين الفرنسيين على تحقيق أكبر قسط لها من الرواج في المحافل الصحفية والسياسية العالمية، وقد كان رئيس الحكومة الجزائرية نفسه - وهو الذي يقدم على أنه متزعم العناصر «الغربية» - كان منه أن أزاح في 17 أكتوبر الماضي القناع عن حقيقة القصة، وذلك حينما أعلن لوكالة الشرق الأوسط «أن الوطنية الجزائرية لا تعرف أي مدلول للكتل الشرقية أو الغربية، إن أصدقائنا - يؤكد الرئيس- هم فقط أولئك الذين يسدون إلينا المعونة والمساعدة، أما أعداؤنا فليسوا إلا هؤلاء الذين يقدمون على مظاهرة أعدائنا ... ».
ومع ذلك فإن كلف السيكولوجية الفرنسية باصطناع مثل هذه القصص الغريبة لا يزال آخذ مجراه أنا تعليل ذلك فيلوح أنه ناشئ - إلى جانب الأسباب المتقدمة- عن طبيعة الاعتقادات السائدة في فرنسا حول الأصول السياسية للثورة الجزائرية الحالية، وغني عن البيان أن هذه الاعتقادات تستمد وجودها من التشكك في التدخل الخارجي ... هذا التدخل الذي يتخذ أساسا جذريا لتفسير كل بواعث الانتفاضة العربية الضخمة في أرض الجزائر، وليس هنا مجال مناقشة مثل هذا الاتجاه في الرأي واستخلاص الأخطاء السياسية المنبثقة عنه، إلا أن الذي يعنينا هنا بالذات هو ملاحظة ما يتجلى من سلبية تأثر الكفاح الجزائري بالمؤثرات الخارجية وامتداد مفاعليه خارج نطاق هذه التأثيرات، وباستقلال كامل عنها، وآية ذلك أن القضية الجزائرية تبدو في صورتها الأساسية المميزة تعبيرا عن واقع فكري وسياسي لا يرتبط أي ارتباط ملحوظ بالصراع الدولي بين الرأسمالية والماركسية، وإلا لكانت صورة عادية من صور هذا الصراع الأجنبي، وامتدادا مألوفا من امتداداته، وذلك ما يتجافى مع الواقع إلى أبعد الحدود، فالقضية القائمة إذن هي قضية جزائرية جذرية، وهي أن تتصل بواقع خارجي فبواقع الثورة العربية الكبرى التي تعتمل بكل ضراوة في جسم الوطن العربي الكبير.
والحكومة الجزائرية الحالية ليست إلا تجسيما لجانب من جوانب هذه الحقيقة الكبرى، ولهذا فليس هناك ما يسوغ الاعتقاد بأن هذه الحكومة قد تتبنى أي اتجاه آخر يوجد حكومة الثورة الجزائرية بالفعل هو الدعوة إلى السلام ... السلام الذي تظله العزة وتحوطه الكرامة وتسوده روح التعاون الحر البناء، ذلك هو الاتجاه الذي تحتضنه حكومة السيد عباس، وقد كان هذا الاتجاه القاعدة التي اعتمدها الرئيس الجزائري في عروضه للتفاوض، تلك التي لم يحجم في كثير من المناسبات عن تقديمها إلى فرنسا.
والواقع أن تلك العروض السلمية المتعاقبة لم تفض -بالفعل- إلى تحقيق أية خطوات تفاوضية إيجابية، ولكنها -مع ذلك- استطاعت أن تعكس للرأي العام العالمي صورة واقع جزائري رائع لم يكن له إلا أن يستشير إعجاب الجميع، ذلك هو واقع الرغبة الجزائرية في السلام واستهجانها للحرب وكل ما يندرج في نطاقها، ومن أضخم الشواهد على ذلك ما تنطوي عليه المواقف الجزائرية الأخيرة من جنوح واضح إلى التفاهم والمسألة، وفي هذا الصدد فقد أمكن للمراقبين أن يلحظوا ما يبدو من اجتناب الرئيس عباس