تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وتقدم على بادرة الاعتراف الرسمي العلني شرعيا أو واقعيا (ومن أمثلة ذلك: اعتراف حكومة غانا) وهكذا فإن سياسة العزل والتطويق، تلك التي دأبت الحكومة الفرنسية على انتهاجها ضد حكومة الرئيس عباس لم تفض إلى النتائج الواسعة التي كانت تفترض لها من قبل، بل إنها أسفرت فقط عن حقائق ديبلوماسية ليس فيها من عناصر المفاجأة والمبادهة قدر كبير، إذ أن هذه الحقائق هي وليدة الوضع الحالي الذي يحدد مركز فرنسا في العائلة الأطلسية وفي نظام الدفاع الغربي، ولهذا فقد كان من المفهوم سلفا أن يلعب هذا الوضع الذي تنعم به الحكومة الفرنسية بعض الأدوار في تحديد نطاق التوسع الديبلوماسي الجزائري، نتيجة لضخامة إطار الحلف الأطلسي وامتداد ارتباطه مع حلفي بغداد وجنوبي شرق آسيا ورابطة الشعوب البريطانية، هذا إلى تفاعلاته مع حلف «وارسو» الذي يضم وحدات العالم الاشتراكي.

لقد كان من المعقول إذن أن يكون لهذه الارتباطات الفرنسية الدولية بعض التأثير في مصير المعركة الديبلوماسية القائمة بين الفرنسيين والجزائريين، ولكن الأمر في الواقع لم يكن صورة مطابقة كل المطابقة لجميع هذه الافتراضات، فقد كان لطبيعة التطورات التي تعاقبت بعد كل ذلك أن تبرهن على أن تحديد النطاق حول الحكومة الجزائرية آخذ سبيله إلى التضاؤل، وذلك أمام اتساع مجال التفهم الدولي لعدالة القضية التي تمثلها، وما نشأ عن ذلك من شواهد النمو المطرد الذي تسجله علاقاتها الناجحة مع مختلف الهيئات الحكومية والدولية (ومن أمثلة ذلك: بادرة اعتراف غانا ومظاهر عطف كندا وهما - وخاصة الأخيرة- من أبرز الأعضاء في رابطة الشعوب البريطانية).

لقد انقضت الآن سنة كاملة منذ أن تم الإعلان الرسمي عن قيام الحكومة المؤقتة الحالية، وإذا ما قايسنا بين التقدم الديبلوماسي الذي أحرزته هذه الحكومة وبين ذلك الذي تحققه الحكومات الثورية في عهودها الأولى (الصين الشعبية مثلا) أمكننا أن ندرك جيدا مقدار الخطوات الواسعة التي حققتها حكومة الرئيس عباس، ومدى الآفاق الرحبة التي افتتحتها في المجال الدولي العام، فهي تنعم الآن باعتراف كثير من القطاعات الدولية الهامة، كما أنها تتوفر على إمكانيات التفاهم مع عديد من المنظمات والهيئات الدولية المختلفة هذا بالإضافة إلى سعة المجال الدولي الذي يتيحه لها وعي شعوب العالم لمشروعية الكفاح الذي تتولى قيادته وتوجيهه وعلى هذا فوضعها الدولي الحالي يبدو أنه يرتكز على قاعدة محترمة نسبيا، على الرغم من أن هذه القاعدة لم تصبح بعد على درجة مرموقة من المتانة والقوة، ولكنها مع ذلك تتيح للمسؤولين الجزائريين سبيل الاتصال السياسي مع كثير من القطاعات الدولية التي يمتد مجموعها على آفاق عالمية واسعة، ومن بين هذه القطاعات:

قطاع الشرق الأوسط: الجمهورية العربية المتحدة، اليمن، لبنان السعودية، الأردن و العراق.

قطاع الشمال الإفريقي: المغرب، تونس، ليبيا.

قطاع الشرق الأقصى: الجمهورية الشعبية الصينية، شمال كوريا، منغوليا.

قطاع جنوبي شرقي آسيا: اندونيسيا، شمال الفيتنام.

قطاع غربي إفريقيا: جمهورية غانا.

هذه بالإضافة إلى الإمكانيات السياسية التي تتوافر للحكومة الجزائرية في القطاعات الدولية الأخرى، ومنها:

قطاع شرقي أوربا: الإتحاد السوفياتي.

قطاع أواسط أوربا: تشيكوسلوفاكيا.

قطاع جنوبي اوربا: الجمهورية الشعبية اليوغوسلافية.

قطاع أواسط آسيا: الهند، الباكستان.

على أن هناك ما هو أهم من ذلك بكثير: ذلك هو إجازة اللجنة السياسية التابعة للأمم المتحدة (دورة 1958) للقرار الذي كان ينطوي - بكل وضوح- على الاعتراف غير المباشر بالجمهورية الجزائرية، وقد كان ذلك - في الواقع - ظاهرة فريدة تنم عن اعتراف دولي جماعي بصفة هذه الجمهورية، وتقدير ضمني لوجودها وصلاحيتها، وكما أن من الطبيعي أن يثير ذلك اندهاش المراقبين الأجانب ويخلق حالات عميقة من الارتياح في الدوائر الوطنية الجزائرية وفي محافل الكتلة الإفريقية الآسيوية.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٠٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٠٦