تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويتجلى ذلك في الاستشهاد بالسلم كحقيقة واقعية تكرس الوضع القائم بين فرنسا والجزائر ومن البديهي أن ما يضبط علاقة القطرين في الوقت الحاضر هو حالة الحرب، التي يسلم بها ضمنيا حتى المسؤولون الفرنسيون أنفسهم.

ومع افتراض أن ما يريد من مفهوم السلم هو انعدام حالة حرب كونية فإن المنطق الفرنسي - في هذه النقطة بالذات- لا يبدو أيضا أكثر استقامة وواقعية. فقد حصلت بالفعل - وفي ظروف يظللها السلام العالمي- سوابق مماثلة أو شبه مماثلة، ولكنها لم تثر من جانب المضادين لها مثل هذه الاعتراضات، ومن أمثلة ذلك: حكومة عموم فلسطين التي نشأت في أوضاع مشابهة والتي لا تزال تجسد إلى اليوم -بالرغم عن هزالها- إرادة الشعب العربي الفلسطيني في العودة والسيادة.

أما فيما يتصل بفعالية الحكومة الجزائرية فإن ما تمارسه واقعية تنعكس آثارها سواء على القطاع المدني أو العسكري هو من أبرز الأدلة على أن هذه الحكومة ليست هيئة وهمية صورية، بل إنها -كما أكده الكثير من المراقبين الدوليين- تتمتع بصلاحيات واسعة في كثير من المناطق بالجزائر، الأمر الذي يمكن من الاعتقاد بأنها تتوفر على ألوان من «الفاعلية» ذات تأثير ملحوظ.

وليست هذه التأكيدات - في الواقع - من قبيل الافتراض الاعتباطي، لقد أدرك حقيقتها من قبل كثير من الحكومات والمنظمات الدولية فأضحى الصليب الأحمر الدولي مثلا بتفاوض مع ممثلي الحكومة الجزائرية على ما يمكن إجراء تطبيقه في الجزائر نفسها. ومن ذلك كان السبيل إلى إطلاق سراح الكثير من الأسرى والمعتقلين الفرنسيين طبقا للنهج المتسامح الذي تتبناه حكومة الرئيس عباس. وكذلك الأمر بالنسبة لإيطاليا التي لم تحجم في مناسبات عديدة عن الاتصال بالمسؤولين الجزائريين، والتداول معه حول ما يجوز أن يحصل أحيانا من وقوع بعض الإيطاليين في معتقلات جيش التحرير.

وعلى كل فإن الذي تؤكده هذه الحقائق وغيرها أن الجهود الديبلوماسية الفرنسية الرامية إلى تحديد النطاق الدولي حول الجمهورية الجزائرية لم يمكن لها أن تستفيد أغراضها وتستوعب مراميها الرئيسية الجوهرية، فحكومة السيد عباس توجد حاليا في وضع دولي قد لا يكون لامعا أو مرموقا - الشيء الذي لم يكن يترقبه حتى أكثر أنصارها حماسا وتفاؤلا - ولكنها مع ذلك- لا تفتأ تحقق - على الصعيد الدولي- الكثير من الخطوات الإيجابية الناجحة، وذلك بالقدر الذي يمكن المراقب من الاعتقاد بأن هذه الحكومة قد غدت تنعم بإمكانيات سياسية دولية، تتجاوز بكثير حدود المفروض لها مبدئيا.

وإذا كانت معركة «الاعتراف» التي خاضها الفرنسيون بكل حدة قد أفضت إلى تحديد بعض المواقف السلبية من جانب دول معينة، فإنها - مع ذلك- لم تقتدر على إصابة نفس الهدف بالنسبة لدول معينة أخرى.

فهناك العديد حقا من الحكومات لم تقدم لحد الآن على بادرة الاعتراف الشرعي بالجمهورية الجزائرية، ولكن ذلك لم يحل بين الكثير من هذه الحكومات وبين التعبير عن مواقف مناصرة للقضية التي تمثلها هذه الجمهورية، بل إن هناك من البلاد من أوغل في التعبير عن العطف والمساندة إلى الحد الذي يكاد يقرب من درجة الاعتراف الواقعي، وأكثر من ذلك فقد أمكن - في أوائل السنة الحالية- تسجيل كثير من البوادر الدولية التي تنطوي على مضمون الاعتراف لا بوجود الحكومة الجزائرية فحسب بل بقيمتها التمثيلية وصفتها السياسية القيادية، ومن آيات ذلك: البيان الذي كان السيد (ميكويان) قد ألقاه في 16 يناير الماضي بمقر الأمم المتحدة، والذي يجوز أن يعتبر انعكاسا للموقف السوفياتي الرسمي المساند لمضمون الاعتراف غير المباشر بالحكومة الجزائرية المؤقتة، وقد كان التصريح الروسي هذا واضحا في التعبير عن تقديره للقيمة التمثيلية لهذه الحكومة، ذلك حينما نص على «أنها تمثل بكل أمانة مطامح الجزائريين في الاستقلال ورغبتهم في التخلص من النير الاستعماري» ومن جانب آخر فقد كان التصريح اليوغسلافي الجزائري الذي أسفرت عنه المحادثات الثنائية ببلغراد بين الرئيسين عباس وتيتو - مناسبة جديدة لتأكيد هذه المظاهر من الاعتراف الضمني التي لا تزال البلاد العاطفة توالي التعبير عنه لفائدة الحكومة الجزائرية.

والحق أن اعتراف هذه البلاد اعترافا علنيا بحكومة الثورة لا يبدو أنه يوجد لدى الكثير منها موضوع اعتراض مبدئي أساسي، أن ظاهرة إحجامها عن اتخاذ هذه الخطوة لا تؤول - كما يلوح- إلا لاعتبارات مصلحية يتركز أغلبها في إدارة الحفاظ على العلاقات العادية مع فرنسا، ولكن هذه الاعتبارات كثيرا ما تفقد دواعيها - لعلة من العلل- فتتحلل الدولة المترددة من القيود

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٧٠٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٧٠٥