إرادة عربية جامعة: إرادة المغرب العربي الكبير؛ ولم تنقض بعد ذلك خمسة أشهر كاملة حتى تم الإعلان الفعلي عن قيام الجمهورية المرتقبة، وكان ذلك في الوقت الذي أخذ فيه الوضع يتأزم في فرنسا ويتخذ أشكالا ناشزة وخطيرة.
ومن الواضح أن الظروف التي أحاطت بقيام هذه الجمهورية والملابسات التي اكتنفت وجودها كانت من الملائمة والمناسبة بمكان، فالبلاد الفرنسية نفسها كانت مصايرها تتأرجح -كما لحظناه قبلا- بين كثير من الاحتمالات الخطيرة الناشئة عن انقلاب 13 مايو، كما أن المجاريات العسكرية في الجزائر كانت قد بدأت تتكثف عن اتجاهات واسعة المدلول، سواء فيما يتصل بالناحية التنظيمية أو فيما له علاقة بالجانب الحربي، هذا بالإضافة إلى تزايد بوادر التقدم السياسي الذي أخذ يتأكد حينئذ أن القضية الجزائرية قد بدأت تحققه على الصعيد الدولي، وإلى كل ذلك فقد كان من الضروري أن تعطي للإدارة الشعبية الجزائرية فرصة التعبير عن وجودها في صورة حية وقوية وفعالة، وذلك لمقابلة الوجود الطاغي لإرادة الغلاة، تلك التي تتمثل في استئثارهم بمقاليد الأمور في فرنسا بعد نجاح الانقلاب في الجزائر.
وعلى هذا النحو فقد خلق حادث 19 شتنبر حالات سياسية عميقة، أضحى معها الصراع بين الجانبين له - من الناحية السياسية والدولية- صورة التعادل والتكافؤ، على الرغم من أن هذا التعادل لا يعكس - في جوهره- إلا افتراضات نظرية ولا ينطوي بالفعل على جميع المدلولات الواقعية، ولكن ما صادفته الجمهورية الوليدة من ألوان النجاح المطرد لم يكن من شأنه إلا أن يقود إلى الاعتقاد بأن الوجود الدولي لهذه الجمهورية آخذ طريقه ليصبح أكثر فعالية وتأثيرا، وذلك ما يثير أعمق مشاعر الحذر والريب عند المسؤولين الفرنسيين، ولهذا فقد كان واضحا جدا أن يثير الحادث ردود فعل حادة من جانب باريس، وقد كان القسط الأكبر من هذه الردود يتركز في المجال الديبلوماسي، وذلك نتيجة لما لمستقبل الجمهورية الجزائرية من ارتباط متين بتطورات الأوضاع في هذا المجال.
لقد أدرك المسؤولون الفرنسيون جيدا أن آفاقا جديدة قد انفتحت في ميدان التعارك بينهم وبين القيادة السياسية الوطنية بعدما أضحى الصراع يمتد على صعيد العلاقات الدولية في نسقها الأعلى، وقد غدا من الجلي كثيرا أن ذلك من شأنه أن يخلق لقضية الشعب الجزائري امتدادات عالمية غير محدودة النطاق والنتائج.
هذا وبقدر ما كانت هذه الاحتمالات الضخمة تزداد تبلورا في أذهان القادة يشتد ويتضاعف، مستهدفا تجديد النطاق الدولي حول الجمهورية الجزائرية، وذلك عن طريق الاعتماد على شكبة من وسائل الحصار الديبلوماسي، تنتظم - في فاعليتها أغلبية القطاعات والمناطق الدولية الراهنة.
والحق أن الحملة الفرنسية - في هذا المجال- قد اتخذت جميع الأشكال الممكنة، وذلك إلى القدر الذي أخذت فيه بعض الأحيان تتهدد العلاقات الفرنسية الدولية بشكل جدي ومثير، ومن أمثلة ذلك ما اكتسح أفق العلاقات بين الحكومة الفرنسية وبين الهند ويوغسلافيا من غيوم قاتمة غداة استقبال البلدين للرئيس الجزائري السيد عباس، فقد بات محتملا وقتا ما أن الأمر كان بالقياس ليوغوسلافيا - على الأخص- يكاد يفضي إلى انفصام العلائق التي تصل بينها وبين باريس، هذا بالإضافة إلى ما اشتد من حملات صحفية متبادلة، استعر ضرامها طويلا بين البلدين، وهكذا الشأن بالنسبة لغانا وإندونيسيا والباكستان وغيرها من الأقطار التي تعرضت لضغط الديبلوماسية الفرنسية - في فترات مختلفة- نتيجة لما تم إجراؤه من اتصالات بينها وبين الحكومة الجزائرية.
ولم تعد الدوائر الفرنسية - في حملتها المضادة هذه - من اعتماد بعض «الاستدلالات» التي حرصت على أن تقيم لها بعض الاعتبار القانوني، وينصب الكثير من هذه «الاستدلالات» الاعتراضية على نوعية الظروف التي أحاطت بالإعلان عن قيام الجمهورية الجزائرية، والأوضاع الكيانية التي يجب أن تجسم وجودها االفعلي المتميز ومن ذلك:
1) انعدام وجود سابقة -في زمن السلم- تماثل الإجراء الذي تم بمقتضاه الإعلان عن ميلاد الجمهورية الجديدة.
2) عدم توفر هذه الجمهورية على فاعلية مضبوطة أو حيز أرضي محدد.
إلا أن هذه الاعتراضات التي -يلوح أنها لا تنطبق على الحالة المثارة انطباقا محكما- لم يكن لها أن تختط سبيلها إلى القبول العام، وذلك بالنظر لما تمثله - في جوانب عديدة - من مجانبة للواقع القانوني والتاريخي والدولي.