دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 68
الجزائر في طريق الاستقلال
بعد مرور سنة على تشكيل الحكومة الجزائرية المؤقتة
المعركة الديبلوماسية بين الجزائر وفرنسا
بقلم المهدي البرجالي
ما هو الوضع الدولي الحالي للجمهورية الجزائرية؟ لقد انقضى حول كامل منذ أن تم الإعلان الرسمي في 19 شتنبر من السنة الماضية عن قيام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
وقد كان نشوء هذه الحكومة استجابة ضرورية لما يفرضه منطق الأحداث من تسلسلات طبيعية ومعقولة. فقد كان الكفاح الجزائري قد توافرت له -بالفعل- كثير من عناصر النمو والتطور؛ كما أن القيادة العسكرية الوطنية كانت قد اجتازت - في الواقع- نطاق الأدوار الثورية الأولى، تلك التي تنحصر في الكمائن وما في نوعها؛ وأضحت على قسط من الاستعداد الذي غدا يخولها القدرة على توسيع مجال العمليات داخل النطاق الحربي بمفهومه الواسع.
ولهذا فقد أخذ يبدو قبل 19 شتنبر 1958 أن الجهاز السياسي المتمثل في جبهة التحرير الوطني لم يعد كافيا بمفرده لمماشاة التطورات العسكرية والدولية التي حققتها القضية الجزائرية بشكل بارز وملحوظ.
لقد كانت جبهة التحري - في حد ذاتها تنظيما سياسيا محكما أبرز مدى فعاليته وجدواه غداة قيام الثورة، ويوم أن توسع مداها ومدلولها، وبعد أن أطاحت بالجمهورية الفرنسية الرابعة، ولكن قيام النظام الدوكولي بفرنسا، وامتداد سيطرة الغلاة على المنشآت الجمهورية الفرنسية - بالإضافة إلى العوامل المحلية والدولية- كان كل ذلك أساسا لاتجاه التفكير الجدي إلى تعزيز القيادة السياسية الوطنية بقيادة أخرى أبرز مظهرا وأوسع نفوذا وأكثر استعدادا لاستيعاب المضمون الدولي الواسع الذي غدت تنطوي عليه القضية الجزائرية.
على أنه ليس مفهوم هذا أن العوامل السابقة كانت بمفردها - وأكثرها طارئ- العلة الأساسية في نشوء الحكومة الحالية، لقد كان مبدأ الإعلان عن هذه الحكومة - من قبل- موضوع البحث والنقاش سواء داخل الدوائر الوطنية الجزائرية أو من يرتبط بها من الحكومات والهيئات المتعددة، وقد كان مؤتمر المغرب العربي (27 - 30 أبريل 1958) من أهم المواطن التي تم فيها التأكيد الفعال على ضرورة إنجاز المشروع، ولم يكن لجو المحادثات أو صبغة القرارات المتخذة في المؤتمر إلا أن تؤكد استقرار الفكرة في أذهان الممثلين الجزائريين والمغاربة والتونسيين، وشعورهم العميق بحتميتها السياسية والقانونية، وقد كان ذلك في الواقع من أبرز الظواهر الاتجاهية التي أفضى إليها ذلك الاجتماع الهام، ومن أكثرهم أهمية وجدوى.
فانعدام وجود حكومة تمثل الجزائر في محيط المغرب العربي الكبير لم يكن مما يعينه على توحيد المستوى الدولي للأقطار التي يضمها هذا المحيط، كما أن مثل هذا الوضع لا يبيح - بشكل جذري، جميع أشكال التعاطي السياسي الواسع المدى في الكثير من الأحيان، ولهذا فقد كان مفروضا أن ينبثق المؤتمر عن تقرير الخطوة الأساسية في الموضوع، وهذا ما أفضى إليه الأمر في الواقع، بعدما تلاقت الاتجاهات لتتبلور في