دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 57
من يدري؟
بقلم محمد الصباغ
من يدري؟
من اليوم حتى ثلاثمائة سنة قد تأتي روح من العالم الواسع تفهمني وتبكيني
منذ أيام وأيام، وأنا لا أفتر عن قراءة هذه الأبيات وتلاوتها حتى أصبحت مني بمثابة النفس المترقرق في جداول دمائي، تترصدني هي عن قصد، وأتلوها أنا عن عفو. أقرأها في كل شيء أراه وألمسه وأفكر فيه، أقرأها في أصابعي الجاهلة الخشنة الطائشة التي تمتد بدون علم مني، فتتناول هذه الأشياء المبعثرة حولي جاهلة بماهيتها، وماهيتي أنا منها، فأشفق من أصابعي الغريرة الحمقى، وأسجنها في رقيق ظلامها بعد أن أعظها وأرشدها وأحذرها، وألمسها في نور عيني الجموح الذي لا يطبع إرادتي، فينفر من جفني، وقد تمسك برماد ظل، أو تسلق دخان حجر، أو انزلق إلى قاع جذر، أو طفا على نهد غمامة، فتتملكني كم بات يمضغني ويجترني بخيالاته التي تجنح بي إلى عوالم وعوالم لا أدري غايتها مني، ولا غايتي منها.
تلك كانت حالتي منذ أن وقعت عيناي على تلك الأبيات من الشعر التي جعلتني أنفر من كل شيء، وأحذر من كل شيء يعيش معي بالذات أو بالخيال أو بالإحساس؛ أنفر حتى من وجودي معتقدا أن بيني وبينه هوة سحيقة من الغرابة النافرة، والهجرة المبحوحة الصدى.
تعيش الأسماك في أحواض من ذهب، ولا تدري ماهية الأحواض الذهبية منها ... وبين الأحواض والأسماك صداقة قديمة يعرفها الماء، ويمجدها البخار. ويعيش الشاعر في أحواض هذه الحياة، فيخنقه سياجها المحكم عليه بأسوار من الغربة، فأفكاره وخيالاته وأحاسيسه وعواطفه يشعر بها غريبة عنه، فينفيها من وجوده مرة، ويتمسك بها مرة أخرى، محاولا أن يسير أعماقها التي هي أعماقه. ومن هذا العراك المحموم ينبثق ألم الشاعر ويزيد في الانبثاق حتى يغدو جمرة من الحماس والعنف، فيجحد عالم وجوده الضيق، وما يشمله، وينفر منه إلى عالم آخر أرحب وأوسع، متمسكا به ومتعلقا:
من يدري؟
من اليوم حتى ثلاثمائة سنة قد تأتي روح من العالم الواسع تفهمني وتبكيني
لم يصلني من شعرك يا «نجوين دو*)» إلا هذه الأبيات، ورغم قلتها فقد عرفتك من خلالها معرفة
*) يعد «نجوين دو» أب الشعر الفيتنامي. ولد سنة 1765. ينحدر من عائلة من كبار الحكام. عين ثلاث مرات سفيرا في بكين. استعار لنفسه اسم «صياد الجبل». هاجر إلى الغاب. توفي سنة 1820. من مؤلفاته «رحلة إلى الشمال». «نهاية أسرتي» ملحمة «كيم فان» في ثلاث آلاف بيت يقال انه نظمها في ليلة واحدة.