تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واللغة، أية لغة، يمكن لها ويعمل على انتشارها أن تكون لغة الحكام والمسؤولين. هذه قاعدة تاريخية واجتماعية يقررها علماء اللغات، ويشهد على صحتها الواقع، وأقرب شاهد إلينا على صحتها، أن عدوى الحديث بالفرنسية قد بدأت ترى من الحكام والمسؤولين إلى بعض طبقات الشعب نفسه.

وإذا كان الشعب الذي معناه سكان الأحياء الأهلية وسكان مدن الصفيح، لا يزال يتكلم العربية لأنه لا يعرف لغة غيرها، أو لأنه متمسك بعروبته، فإن الشعب الذي معناه سكان الأحياء العصرية الراقية، وأفراد الطبقة المشمولة، وبعض المثقفين، قد بدأ يستنكف من الحديث باللغة العربية، حتى لا يوسم بأنه متأخر

أو جاهل أو رجعي، أو (بلدي) على حد تعبير إخواننا المصريين.

وليسمح لي هنا بعض إخواننا الذين يحرصون ألا يطلقوا كلمة الشعب إلا على البؤساء والفقراء والمساكين، ليسمحوا لي إذا أطلقت كلمة الشعب على هؤلاء، وعلى غيرهم، بالرغم من أن هؤلاء الأخيرين يتعالون عن الحديث بلغة الشعب، اللغة العربية، التي هي لغتنا جميعا أحببنا أم كرهنا، لغتنا جميعا ولو طرنا فرارا منها إلى السماء، لغتنا جميعا، ولا راد لقضاء الله، ولا مفر من قدره. فقد قدر أن نكون عربا، وسنظل عربا إلى يوم نبعث!!

قلت إن عدوى الحديث بالفرنسية قد بدأت تسري من الحكام والمسؤولين إلى بعض طبقات الشعب نفسه، واذكر بهذه المناسبة أيضا أنني كنت منذ مدة قريبة في مصطاف (ايفران) وكنت أقابل في كل يوم في مكان ما، عائلة مغربية قدمت للاصطياف من مدينة فاس، المدينة التي نفترض فيها جميعا أنها معقل العربية، وحصن من حصونها في العالم العربي كله، كانت تبدو على هذه العائلة مظاهر الغنى والتجديد في أسلوب الحياة، وكان أفرادها جميعا - حتى الأطفال الصغار- لا يتحدثون مع بعضهم إلا باللغة الفرنسية وكان من الطريف أن نسمع طفلة من العائلة تنادي طفلة أخرى باسمها العربي، محرفا إلى الطريقة الفرنسية. فقد كان اسم الطفلة نعيمة، وكانت أختها تدعوها (نئيما).

ولم تشغلني الطرافة عن التفكير جديا في الموضوع، فقد بدأت أخشى أن يكون معنى هذه الظاهرة الجديدة، أنه قد بدأت تتكون فينا طبقة منفصلة عن الشعب شعوريا، تخجل من عروبتها ومغربيتها، كتلك الطبقة التي كانت ببعض بلاد الشرق العربي، والتي تجد اليوم نفسها في تلك البلاد مخيرة بين اثنتين لا ثالث لهما: إما الفناء، وإما الاندماج في الشعب اندماجا حقيقيا، وتبني قضاياه، والتحمس لكل ما يتحمس له.

وبعد، فما هو مستقبل اللغة العربية في المغرب؟ سؤال يبدو أن الإجابة عنه الآن لا تعدوا أن تكون ضربا من التخمين، ولكن عند التفكير يبدو أنها ليست كذلك، وأنها من السهولة بمكان كبير.

مستقبل العربية في هذه البلاد - بالرغم من كل ما تقدم- إنها لغة المستقبل، كما كانت لغة الماضي، وكما هي الآن لغة الحاضر في ضمير الشعب وعلى لسانه.

هذا هو الذي يقتضيه منطق الأشياء، وسير التاريخ، وهذا هو الذي يريده الشعب، وإرادة الشعب لا يمكن أن تقهر، وكما حققت هذه الإرادة استقلال أرضنا عن أرض فرنسا، فستحقق - إن عاجلا أو آجلا- استقلال لساننا عن لسانها، وفكرنا عن فكرها.

أما المعوقات التي تقف اليوم في طريق قضية التعريب، فإن تأثيرها لا يعدوا أن يكون تأثيرا مؤقتا، قد ينجح في تأخير نجاح القضية، ولكنه لا يستطيع أن يحكم بفشلها.

إن التاريخ لا يمكن أن يتحول عن مجاريه الرئيسية مراعاة لمصالح بعض الأفراد، أو تملقا لمزاجهم، ومنطق التاريخ يوحي بأن السيادة اللغوية في هذه البلاد ستكون للعربية وحدها، لأنها - أي السيادة - ستكون كاملة غير منقوصة للمغاربة، أصحاب هذه اللغة، في بلادهم.

وما على الذين قد لا يكون ذلك من مصلحتهم، سواء من المغاربة أو من غيرهم،، إلا أن يعملوا بهذه النصيحة المتينة التي نسديها إليهم لوجه الله، وقياما بواجب المواطنة أو واجب الضيافة، وهي أن يسبقوا الزمن، وأن يكبوا من ساعتهم هذه أكبابا على تعلم اللغة العربية. ونحن نضمن لهم مقدما أنها ليست من الصعوبة بالمكان الذي يتصورون، كما نضمن لهم شيئا آخر، هو أنهم سيجدونها لا تقل جمالا وسعة عن أية لغة أخرى من اللغات الحية الراقية، بما في ذلك اللغة الفرنسية نفسها!

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٩١