جعلتني أعيش معك وفيك وفيما حولك زمنا طويلا، حتى كدت أنسى هذه السنين التي صرفتها في وطني، بين أهلي وأصدقائي وأحبائي، وكدت أنسى معها لغتي، إذ وجدتني أتكلم بلغة لا أفهمها، ربما قد تكون لغتك، ولغة وطنك «الفيتنام» الذي زرته فتعرفت على ناسك وأهلك وأصدقائك من بشر وجدول وطير ونجم وطريق فحدثوني عنك، ففهمت من أحاديثهم أن الجدول يتلوى بين الصخور راقصا تارة، وضعيفا شاحبا متألما تارة أخرى، وعلى رقصته وشحوبته تضرب السهول الرحيبة موعدها معه، كما فهمت أن الرياح في طرقها تبني الهضاب والآكام، إلا أنها لا تستقر إلا على قمم الجبال وفي ثغورها، ورافقني بعض ناسك إلى قصور آبائك وعائلتك الحاكمة وقتذاك، فحدثتني أقواسها المرمرية، وأسقفها المذهبة، وعرصاتها الرحيبة، ففهمت منها غربتك التي كانت تعريك من لحمك ودمك وعظامك وأنفاسك، وتتركك كوهم سقيم؛ وفي غربتك مرارة، وفي مرارتك نفور جامح من هذه القصور التي يطيب للعناكب والفئران أن تبني فيها مجدها. إن مجدا يتكئ على القصور لابد من أن يهوي من قببها، فيمسي خرائب وأطلالا، وجثة كبرياء تضحك منها الرياح، كما حدثني أقاربك عن رجوعك من وظائفك السياسية، وكرامتك مهشمة، وعاطفتك مجعدة، وعلى خدك مساحيق و «ميكياج» البسمات البلهاء، ففهمت هجرتك إلى الغاب، إلى قمم «هونج لين» ملاعب النجم، والنسيم الطويل، ومغاني الإصباح المضفرة بالندى، ومراتع الإمساء الوارفة تحت ضلاله أشجار الشفق، وخلفاها قلبك الطائر إلى كل مكان.
هكذا عرفتك يا «نجوين دو» وهكذا عشت معك أحقابا وأحقابا من الصمت العريض.
فما أطول صوتك! وما أعمق روحك الدافئة المتغلغلة في كل الأشياء التي تعيش معي مبعثرة في طريق حياتي، فتمتد إليها أصابعي الجاهلة لتتناول بعضا منها، جاهلة بأن صوتك متغلغل بدموعك فيها، منذ أن قرأت تلك الأبيات من شعرك على يومنا هذا!.
فما أجهلني! وما أجهل الإنسان بكل ما تتناوله أصابعه ويدركه خياله، وتراه عينه! وما أجهله بحواسه التي لا تطيع إرادته، فلا هو يفهم أعمالها، ولا هي تدرك ماهيتها منه.