أي مدخل للفنية عندما تصل إلى مطار الدار البيضاء مثلا، فلا يقبل منك أن تملأ الأوراق التي تقدم إليك، والتي تستلزمها الإجراءات القانونية، إلا باللغة الفرنسية؟
لا شك أن دعوى الفنية في كل ذلك وفي كثير جدا من الأمثلة غيره دعوى باطلة، وإني لأجاهد نفسي جهادا حتى لا أصف هذه الدعوى بوصف آخر، قد يكون له وقع سيء على بعض الأسماع، كما أن التلفظ به مما لا تقتضيه الآداب التي تحرص هذه المجلة على مراعاتها.
نحن لا نقصد التشهير بأي إنسان، أو بأية مؤسسة، وإنما ننقل هنا إلى المسؤولين كلاما يتحدث به جميع المواطنين، وقد لا تواتي المسؤولين الفرصة لسماعه منهم، فلا أقل أن نكتبه لهم هنا على أمل أن يقرؤوه، وعلى أمل ألا تحول بين بعضهم وبين قراءته أنه مكتوب باللغة العربية!
ونزيد الأمثلة التي أسلفناها إيضاحا بذكر مثال واحد قد يكون أقوى في الدلالة منها جميعا:
هذا ضيف عربي مقيم بالمغرب يشتغل باستيراد الكتب العربية والتجارة فيها، تقتضيه مهنته أن يكتب إلى مؤسسة علمية مغربية رسالة من الرسائل العادية التي تظل مثيلاتها تتوارد على المصالح والمؤسسات الرسمية، لكن الضيف العربي يرتكب غلطا شنيعا، ذلك أنه كتب رسالته إلى المؤسسة العلمية المغربية باللغة العربية، لغته هو، ولغة المسؤولين عن المؤسسة التي كتب إليها.
ويستبطئ الضيف العربي الجواب عن رسالته، خصوصا بعد أن مضى عليها نحو سنة، ويزور المؤسسة للسؤال عن مآل القضية التي كتب في شأنها، والاستفسار عن سبب تأخر الجواب إلى هذا الحد.
ولا يعنينا هنا ما أجيب به الضيف العربي عن قضيته، وإنما يعنينا أنه أجيب بصراحة بأن السبب في تأخر الجواب، أنه كتب رسالته باللغة العربية!
فيا موت زر إن الحياة ذميمة
ويا نفس جدي إن دهرك هازل
ورحم الله أبا العلاء المعري، ورحم معه اللغة العربية في بلد عربي منذ نحو من ثلاثة عشر قرنا من الزمان.
هذا قليل من كثير عن مركز اللغة العربية ومركز اللغة الفرنسية كلغة كتابة في الدواوين الرسمية.
أما كلغة حديث، فإن من الإنصاف ومن الوفاء للحقيقة أن نقول: أن اللغة العربية ليست مغبونة غبنا كاملا، بالرغم من تفوق اللغة الفرنسية عليها حتى في هذا الميدان.
إن المسؤولين المغاربة وإن كانوا يتحدثون إلى مرؤوسيهم الأجانب بلغتهم - أقصد طبعا بلغة هؤلاء الأجانب- فإنهم مع بعضهم أو مع مرؤوسيهم من المغاربة يتحدثون لغة مزيجا من العربية والفرنسية، وقد يستبد بهم الحماس أحيانا، فيلغون العربية إلغاء، لأنها غير كافية للتعبير عن أفكارهم .. ! ويتحدثون لغة فرنسية صرفا، قد يحسدهم عليها سكان حي (الإليزي) وشارع (الأوبرا) بباريز.
فهل كتب على اللغة العربية بعد الاستقلال أن تكون أسوأ حظا -حتى كلغة حديث- مما كانت عليه في عهد الحماية المشؤوم؟
أذكر بهذه المناسبة أنني كنت عضوا في منظمة الكشفية الحسنية حوالي سنة 1942 وكنا في هذه المنظمة نحرص على تعويد أنفسنا، وتعويد الأطفال الصغار الذين كنا نسيرهم، على الحديث بلغة عربية لا تشتمل على أي لفظ غير عربي، بل ذهبنا إلى حد أننا كنا نفرض غرامة على كل من يتلفظ أثناء الحديث بلفظ أجنبي. وكنا أحيانا نصطدم بأشياء لا نعرف لها اسما غير الاسم الفرنسي غالبا أو الإسباني في بعض الأحيان، فكنا نستشير المعاجم، ونسأل من هم أكبر منا سنا وأكثر معرفة باللغة العربية.
ولم يكن هذا عبث صبيان، وإنما كان مثالا من الاستجابة لروح المقاومة المغربية العربية، تلك الروح التي كانت تحدونا جميعا إلى المحافظة على كياننا القومي، وتحصينه من مفعول سياسة الإدماج التي كان الفرنسيون يحرصون على تطبيقها في بلادنا، مستعينين على ذلك بمحاولة فرنستنا لسانا وفكرا وشعورا.
ويبدوا أن الفرنسيين قد نجحوا بصورة أو بأخرى فيما كانوا يحاولون، ولو أن هذا النجاح لم تظهر آثاره واضحة للعيان إلا بعد الاستقلال، أي إلا بعد أن فترت روح المقاومة التي كان يذكيها وجود المستعمرين بين ظهرانينا كحكام مسيطرين.