تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

للسانه، وبالتالي أن نترك فكرنا تابعا لفكره، لأن اللغة والفكر متلازمان كل التلازم، إلى الحد الذي يجعل علماء اللغات يقررون أن اللغة هي الفكر، وأننا نتكلم بالفكر، ونفكر بالكلام.

ونحن لا نتهم أحدا، نحن لا ندعي أن القائمين على شؤون التعليم في بلادنا يقلون عنا أو عن غيرته حماسا لقضية تعريب التعليم، ونحن نعلم من جهة أخرى أن المناداة بالفكر هي غير معاناة تطبيقها، لأن التطبيق يخضع دائما للإمكانيات؛ وإمكانية تعريب التعليم في المرحلة الابتدائية على الأقل تتطلب عددا هائلا من القادرين على تلقين المعلومات بالعربية، ونحن لا نتوفر على هذا العدد، كما أننا لا نزال مضطرين إلى الاستعانة بكثير من المدرسين من الخارج .. من فرنسا!

ولا نجيب على كل هذا المنطق الطويل العريض، إلا بسؤال بسيط: لماذا من فرنسا بالذات؟ لماذا لا يكون هذا العدد الهائل من المعلمين الذين نحتاج إلى الاستعانة بهم من الخارج .. عربا؟ من الجمهورية العربية المتحدة مثلا، ومن العراق ولبنان، مع العلم باستعداد هذه البلاد الكامل لإمدادنا بالعدد الكافي من المعلمين للمرحلة الابتدائية على الأقل.

نعم قد يقال أن هذا العدد الكافي من المعلمين العرب، قد يوجد من بين أفراده من يحمل أفكارا سياسة خاصة! لكن ما القول في المعلم الفرنسي؟ أليس من المؤكد أنه يحمل هو الآخر أفكارا سياسية خاصة، ويحمل لنا معها كراهية خاصة، وحقدا خاصا، وتعليمات خاصة، يعمل بمقتضاها مدرسا، ومبشرا، وجنديا في لباس مدني، وفردا في الطابور الخامس، وأشياء أخرى كثيرة قد لا نعلمها الآن، وقد تكشف لنا عنها الأيام بعد فوات الأوان.

وننتقل من المدرسة إلى الدواوين الرسمية حيث تتمثل المأساة في أبشع مظاهرها، وحيث مختلف الوزارات والإدارات والمصالح لا يكتب بعضها إلى بعض إلا باللغة الفرنسية فيما عدا بعض الحالات القليلة النادرة جدا.

ونحن نذكر هنا للحقيقة فقط، أن وزارة واحدة من بين جميع الوزارات المغربية نجحت في أن تعرب نفسها تعريبا كاملا، تلك هي وزارة الأوقاف التي تصدر هذه المجلة.

ونحن لا نذكر ذلك لأن هذه المجلة تصدر عن الوزارة المذكورة، وإنما نذكره كما أسلفنا للحقيقة فقط، ومن باب أن الاستثناء يؤكد القاعدة كما يقولون.

نعم، لقد نجحت وزارة الأوقاف في أن تعرب نفسها تعريبا كاملا، بالرغم من وجود عدد من الفنيين الأجانب في بعض وظائفها حتى اليوم، وبالرغم من كونها تتعامل مع كثير من المؤسسات الأجنبية، ومع كثير من المهندسين والمقاولين الأجانب، من فرنسيين وغيرهم، وهي لم تأخذ في التعريب بقاعدة التدريج المحببة إلى المسؤولين في بلادنا، أو التي يتسترون من ورائها، وإنما أصبحت معربة بكيفية كادت تكون أتوماتيكية بمجرد تكوين أول حكومة في عهد الاستقلال.

وإذا كان ذلك يرجع إلى شيء، فإنما يرجع في الحقيقة والواقع إلى أن الذين وكل إليهم أمر الإشراف على هذه الوزارة عند تأسيسها كانوا مؤمنين حقيقة بقضية التعريب متحمسين لها.

نعم، لا جدال في أن تعريب وزارة الأوقاف قد يكون أسهل من تعريب وزارة أخرى تتم أعمالها كلها بسمة الفنية الدقيقة، ولكن المهم هو أن نتفق أولا على المبدأ، وإذ لم ننجح منذ الآن في تنفيذه تنفيذا كاملا، فلا أقل من أن نرسم طريقه ونشرع فيه.

ونعود إلى دعوى الفنية الطويلة العريضة، فنتساءل:

أي مدخل للفنية عندما تكتب مصلحة الأمن مثلا استدعاء بسيطا لمواطن مغربي عربي، تطلب منه فيه أن يحضر إلى مكتب كذا في ساعة كذا؟

أي مدخل للفنية عندما تحيل وزارة من الوزارات المغربية على وزارة أخرى مغربية تقريرا مكتوبا باللغة العربية، واردا من بلد آخر عربي غير المغرب طبعا؟

أي مدخل للفنية عندما تكتب وزارة التهذيب الوطني مثلا، إلى المدارس الأهلية العربية منشورا تخبرها فيه أن عطلة نصف السنة ستبدأ في منتصف أبريل وتنتهي في آخره؟

أي مدخل للفنية عندما تكتب إدارة البريد مثلا، إلى مواطن مغربي عربي، رسالة صغيرة تخبره فيها بوصول طرد باسمه أو حوالة أو غير ذلك؟

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٨٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٨٩