تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأنا هنا لا أنشئ الكلام إنشاء، وإنما أتحدث عن تجربة شخصية مع مسؤول يتحكم بطبيعة مركزه في مستقبل المئات إن لم أقل الآلاف من أبنائنا، يقبل من يقبل منهم إذا كان في المستوى التعليمي المطلوب، على شرط أن تكون لغة تعليمهم هي العربية، لماذا؟ لأن العربية كما يقول هذا المسؤول لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تكون لغة تعليم.

هذا المسؤول يقول لك إذا ناقشته في الموضوع - كما قال لي من قبل- أنه لا يستطيع أن يتصور مطلقا أن يلقن التلاميذ الحساب والجغرافية وغيرها من العلوم باللغة العربية، ذلك لا يجوز أن يكون أبدا، وما يقال من كلام من هذا القبيل لا يعدو أن يكون تهريجا وتدليسا وكذبا وغشا مفضوحا، لا ينبغي أن يأخذ به رجل عاقل عارف ببواطن الأمور.

هذا المسؤول الذي أتحدث عنه لم يأتنا من إسرائيل، وهو ليس فرنسيا ولا اسبانيا، وإنما هو - وهذا هو صلب المأساة - مغربي عربي مثلي ومثلك ومثل الآلاف من عباد الله الطيبين الذين يعمرون هذا الوطن السعيد ... !

وأذكر أنني بعد أن تحدث إلى هذا المسؤول، وبعد أن سمعت منه هذا الكلام الذي يترجم عن نفس ألفاظه بالحرف، خرجت من مكتبه وقد أخذ يتضح لي لأول مرة معنى الكلام الذي سمعته مرارا من قبل، كما سمعه غيري من قدماء المعلمين في المدارس الأهلية العربية، من تلامذتهم القدماء.

هؤلاء التلاميذ الذين أصبحوا اليوم رجالا في حاجة إلى العمل، يقولون لنا نحن المعلمين القدماء في المدارس الأهلية العربية: لقد جنيتم علينا، لقد ضيعتم مستقبلنا، كنتم تقولون لنا بالأمس أن المستقبل للعربية، وها قد أصبح المستقبل حاضرا وها نحن نرى أترابنا ممن تلقوا تعليمهم باللغة الفرنسية، تفتح في وجوههم كل الأبواب، على حين تغلق في وجوهنا نحن كل الأبواب، لا لذنب جنيناه إلا لأننا تلقينا باللغة العربية نفس التعليم الذي تلقوه باللغة الفرنسية؛ وها نحن نقرأ في جرائدنا العربية الوطنية في كل يوم إعلانا عن عمل، وتدفعنا الحاجة إلى قراءته في لهفة، فإذا الشرط الأساسي الأول للقبول في هذا العمل، أن يكون طالبه حاملا للشهادة كذا باللغة الفرنسية .. دائما باللغة الفرنسية! كأننا في باريس أو بوردو أو مرسيليا، أو كأننا في مستعمرة فرنسية، لا وجود فيها إلا للغة المستعمر الفرنسي.

وأنت تستطيع أن تقول كلاما كثيرا في تفنيد هذه الثورة، لكن هذا الكلام لا يستطيع أن يجد لهذا التأثر عملا، أو أن يضمن له خبرا، فضلا عن أن يضمن له حياة محترمة شريفة كمواطن، وكمواطن على قسط لا بأس به من التعليم.

ذكرت من قبل أنني لا أقصد الحديث عن قصة اللغة العربية في المدرسة وحدها، فالحقيقة أن القائمين على شؤون التعليم، وإن كانوا لم يسروا في تعريبه بالجرأة والحزم اللذين تقتضيهما الروح الثورية، إلا أن الذي يبدو عليهم أن قضية التعريب هذه ليست بعيدة عن تفكيرهم بالمرة، لكنهم يفضلون السير فيها ببطء، ومعالجتها بكامل الحذر، خوفا من حدوث نكسة قد تكون أضر بقضية التعليم من تركه فرنسيا، أو فرنسيا في الدرجة الأولى عربيا في الدرجة الثانية.

وهي وجهة نظر تستطيع أن تلحظها بوضوح من برنامج السنوات الخمس للتعليم الذي أعلن أخيرا، ولسنا نستطيع هنا أن نجزم بأن وجهة النظر هذه مخطئة كل الخطأ أو مصيبة كل الصواب: ولكن الذي نستطيع أن نجزم به، هو ما يقرره علماء التربية من أن ذهن التلميذ في المرحلة الابتدائية لا يستطيع أن يتحمل تعلم لغتين في وقت واحد، كما نستطيع أن نجزم بشيء آخر، وهو أن التعليم في كل أمة تحترم نفسها وتاريخها يجب أن يكون تعليما قوميا، ولكي يكون التعليم قوميا يجب أن يكون بلغة البلاد، لأن اللغة ليست مجرد أداة للتخاطب، وليس مجرد أداة لنقل المعلومات والتجارب أو تلقيها، وإنما هي فوق ذلك كله، جزء من الكيان القومي، هي مني ومنك، بمثابة تاريخنا المشترك، وأرضنا المشتركة، وكما لا نقبل أن تتخلى عن تاريخنا أو أن نستبدل به تاريخا آخرٍ؛ وكما لا نقبل أن نتخلى عن أرضنا أو أن نستبدل بها أرضا غيرها، فنحن لا نقبل بالمثل أن نتخلى عن لغتنا أو نقبل بها لغة أخرى، حتى ولو كانت لغة المستعمر الذي أكرهنا على الاعتراف باستقلال أرضنا عن أرضه، ثم قبلنا عن طواعية أن نترك لساننا تابعا

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٨٨