المحكمة؛ عليهم أن يختزنوا في ذاكراتهم المرهفة صورة للغة العربية مقترنة دائمة بصورة هذا الشيخ القاسي الغليظ، وصورة أخرى بجانبها للغة الفرنسية مقترنة دائما بصورة المدرس الفرنسي الخفيف الأنيق، الممتلئ شبابا وحيوية وفهما وإدراكا، وتقديرا للمسؤولية الدقيقة الملقاة على عاتقه، كمدرس، وكمبشر في نفس الوقت بحضارة فرنسا وثورتها وآدابها.
وكان من اللازم أن تنجح الخطة، ولو إلى حين، لأنها كانت موضوعة بإحكام، ولأن السلطة والمال لم تكن تعوز الذين وضعوها وأشرفوا على تنفذيها، كما كان من اللازم أيضا - وهذا هو ما حصل بالفعل- أن تصطدم هذه الخطة المحكمة برد فعل قوي، خصوصا بعد أن استيقظ الوعي القومي وعم الإحساس بالخطر، وقامت في البلاد حركة وطنية تعمل على عرقلة خطط الاستعمار في كل ميدان، وتعمل في نفس الوقت للتخلص منه نهائيا، مهما تكن التضحيات المطلوبة في سبيل هذا الخلاص.
وهكذا قام الشعب المغربي بقيادة جلالة الملك والأسرة الملكية الكريمة، بفتح عدد من المدارس الأهلية في جميع أنحاء القطر، يكون التعليم كله في بعضها باللغة العربية، ويكون في بعضها الآخر مزدوجا، على أن تأخذ فيه العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية والمغربية مكانة ملحوظة واهتماما زائدا.
وقامت قائمة الاستعمار كما كان متوقعا أن يحدث، وتفنن في الكيد لهذه المدارس ومطاردة القائمين عليها والعاملين فيها، بتصيد الفرص للتنكيل بهم وتعذيبهم والزج بهم في المعتقلات والمنافي والسجون، ولكن كل ذلك لم يكن يزيد الشعب إلا تعلقا بهذه المدارس، وإقبالا عليها، وإيمانا بأهمية الرسالة التي تؤديها لمستقبل البلاد في الحفاظ على لغتها، باعتبار هذه اللغة جزءا من الكيان القومي الذي يجب أن يظل قائما باستمرار، مستقلا عن غيره، محتفظا بشخصيته.
وأقبل الكبار أنفسهم رجالا ونساء في حماس متزايد على هذه المدارس في حصص ليلية، يحاولون أن يستدركوا ما فاتهم من معرفة لغتهم العربية كتابة وقراءة وفهما، وجعل يبدو للعيان في تلك الظروف أن اللغة العربية قد استعادت اعتبارها في هذا الجزء من وطنها الكبير، وأن المستقبل لها، خصوصا عندما تستقل البلاد. وتصبح حرة في التصرف في مواردها، وفي وضع التصميمات اللازمة للبلوغ بها إلى أهدافها القومية والإنسانية.
وجاء الاستقلال، وكان من الممكن جدا، ومن الطبيعي أيضا، أن يكون الأمر كما كنا جميعا نتصور، وأن تتخلى اللغة الفرنسية عن مكانتها للغة العربية، وأن تقنع بأن تصبح لغة ثانوية، كما هو شأن كل اللغات الحية في غير مواطنها الأصلية، ولكن انحرافا ما حصل على إثر الاستقلال. انحرافا ما جعلنا نتخلى عن الطريق التي كنا قد رسمناها قبل أن نستقل، وأن نظل سائرين - وبحماس- في نفس الطريق التي كان الاستعمار يحملنا على السير فيها بالأمس بقوة الحديد والنار.
وهكذا تخلينا عن طواعية عن مظهر من مظاهر سيادتنا القومية في بلادنا، وقبلنا عن طواعية أيضا أن نحتفظ لمستعمرنا وجلادنا بالأمس، بمظهر من مظاهر النفوذ والسيطرة والاستعمار.
وكانت نكسة حملت الذين كانوا يقبلون بالأمس على تعلم اللغة العربية ليلا، وإرسال أبنائهم ليتعلموها نهارا، على مراجعة موقفهم: ما لهم وللجري وراء لغة ميتة، يضطهدها المستعمر في أيام الاستعمار، ويتنكر لها أبناؤها في أيام الاستقلال!؟
أنا لا أقصد هنا الحديث عن قصة اللغة العربية في المغرب بعد الاستقلال في المدرسة وحدها، وإنما أقصد الحديث عن مأساتها بصفة عامة، في المدرسة، وفي الشارع، وعلى ألسنة المثقفين؛ وأقصد الحديث عن مأساتها بصورة خاصة في الدواوين الرسمية وفي اعتبار كثير من الموضوعين في مراكز المسؤوليات الكبيرة، وفي هؤلاء من لا يستطيع حتى اليوم أن يصدق، ومهما بدلت من جهد في إقناعه، أن اللغة العربية يمكن أن تصلح لشيء آخر أكثر من أن تكون لغة التعليم في الكتاب، حيث يمحو الأطفال ألواحهم الخشبية في
كل صباح، ويصبغونها بالصلصال، ويقعدون بها في حلقات على الحصير أمام الفقيه، ليملي عليهم بعض السور من القرآن الكريم، أو بضعة أبيات من ألفية مالك أو من قصيدتي البردة والهمزية.