بقطع النظر عن لون بشرتهم ومعتقداتهم الدينية، وقد لمسنا بالفعل المجهودات الطيبة التي تقوم بها بعض تلك الجمعيات في مدينة «ليتل راك» على الأخص، والمظنون أن جهود العاملين في سبيل الإدماج ستكلل بالفوز في السنوات القليلة المقبلة.
هذا، وتقع المدارس الابتدائية عادة في أماكن صحية، وهي تحتوي على حجرات جميلة تتوفر على أجهزة الراديو والتلفزيون التي أصبحت، كما هو معلوم، من وسائل الإيضاح المستعملة يوميا في المدارس على اختلافها، وفي كل مدرسة قاعة كبرى يغشاها الطلبة عند الزوال لتناول طعام الغذاء، وقاعات للرياضة البدنية وأخرى للمحاضرات والاجتماعات التي يعقدها آباء التلاميذ وأولياؤهم، كما تحتوي المدارس الابتدائية عل قاعة كبرى للسينما وحجرات عديدة خاصة بدروس الموسيقى والفنون الجميلة، وتشرف على المدرسة مديرة أو مدير يساعده في مهمته معين وسيدة ينحصر عملها في السهر على صحة الأطفال، وأخرى تهتم بإرشاد المعلمات من الوجهة البيداغوجية كما أن هناك سيدة تشرف على تنظيم طعام الأطفال، هذا بغض الطرف عن الموظفات الأخريات كالكاتبات والمحررات.
وتشمل كل مدرسة ابتدائية على قسم أو عدة أقسام أعدت للصغار من الأطفال حتى إذا بلغوا سن السادسة التحقوا بالمدرسة الابتدائية المجاورة، ويظل الطفل عادة في المدرسة الابتدائية ست سنوات إذا ما وجدت المدرسة في المدينة وثمان سنوات، إذا كانت مدرسة قروية، وفي تلك الحال يمكن اعتبار السنتين الزائدتين فصلين تكميليين، ومهما يكن الأمر فالتلميذ الأمريكي يتلقى خلال الدراسة الابتدائية مبادئ متينة في مختلف العلوم والفنون كالجغرافية والتاريخ والتلاوة والمحادثة والخط والحساب ودروسا في المحافظة على الصحة والإسعافات الأولية عند الاقتضاء، كما يتلقى معلومات حول الكهرباء والمغناطيس والجيولوجيا وعلمي النبات والحيوان والموسيقى والتربية الوطنية والرقص بالنسبة للفتيات، وعلوما أخرى تكميلية كالخطابة والتمثيل. وتعطى في المدارس أهمية كبرى للأعمال اليدوية حتى يبقى الانسجام ثابتا بين المجتمع الصغير وهو المدرسة، والمجتمع الكبير أي الحياة العملية التي سيقفز إليها الطالب بعد سنوات، ومن الملاحظ أن هذه الأعمال اليدوية ليست مجرد تدريبات يتلهى بها الأطفال ولكنها حقيقية مفيدة تحملهم على الخلق والابتكار، وتعدهم لاختيار مهنة تناسبهم خلال دراستهم الثانوية.
وجدير بالذكر أن المشرفين على هذه المدارس يهتمون في الأقسام الكبرى بتدريب التلاميذ على العمل الفردي المفيد، وتوسيع ثقافتهم باستغلال الحوادث الطبيعية أو السياسية الطارئة وذلك بجمعهم - في أول فرصة سنحت لهم - أوفر كمية من المعلومات الجغرافية والتاريخية والاجتماعية حول بلد من البلدان يسجلونها في سجلات خاصة، فيراجعها المعلم معهم ليحققها ويضيف إليها ما يراه مناسبا، وهكذا لا يكتفي المعلم بتبليغ مواد البرنامج الرسمي للأطفال، ولكنه ينتهز كل الفرص الممكنة لتنوير أذهانهم وجعلهم في حالة يمكنهم معها أن يحكموا عقولهم في الأشياء والأشخاص معتمدين في ذلك على تجاربهم الخاصة وحدها.
ومن الملاحظ أن برامج التعليم الابتدائي لا تشتمل على دروس دينية، ولعل ذلك يعود إلى حرص الحكومة على احترام نزاعات المواطنين وعقائدهم التي تختلف باختلاف عناصر السكان.
وأعظم مظهر يتجلى في المدارس الابتدائية التي قدرت لنا زيارتها، هي الحرية المطلقة التي يتمتع بها الأطفال في الأقسام الصغيرة بنوع خاص، فالمعلمة في هذه الفصول لا تقوم بدروس عامة شاملة تقدمها لسائر التلاميذ في وقت واحد غير مراعية لما يبدو عليهم من اختلاف في الأمزجة والطبائع، ولكنها توزعهم في حجرة الدرس إلى عدة حلقات منسجمة متجانسة، تاركة لكل طائفة منها حرية العمل: فهذه طائفة تشتغل بالتلوين، وهؤلاء منكبون على حل عمليات حسابية بواسطة الأرقام الخشبية، وهناك جماعة أخرى لا تتجاوز الثمانية أفراد منهمكة في إتمام تمرين كتابي أو قائمة بتطريز قطعة من القماش بينما المعلمة مهتمة بتدريب جماعة أخرى على القراءة بواسطة السبورة والكتب الملونة، ولا يترك التلاميذ الفصل حتى تأخذ كل طائفة حصتها المقررة في كل مادة من المواد.
وبجانب ذلك توجد في كثير من المدارس عدة أقسام خاصة بالتلاميذ النجباء أعدت من أجلهم برامج مناسبة لميولهم الطبيعية واستعداداتهم الفكرية، تسهر ناظرة المدرسة ومساعدتها على تطبيقها بكيفية تمكن تلك الطبقة النيرة من اجتياز المرحلة الابتدائية بسرعة