المسائل الروحية التي يتكلمون فيها عن حدس وتخمين دون علم ويقين، وقد وجدت هذه الطائفة الجو خاليا من المعارضة بالحجج الصحيحة فأقامت على ضلالها وأغرقت في استهتارها بالدين والقيم الروحية يقول ابن حزم في حال هؤلاء ولم الق هذه الطائفة المذكورة من حملة الدين إلا أقواما لا عناية عندهم بشيء مما قدمنا، وإنما عنيت من الشريعة بأحد ثلاثة أوجه إما بألفاظ ينقلون ظاهرها ولا يعرفون معانيها ولا يهتمون بفهمها.
وإما بمسائل من الأحكام لا يشتغلون بدلائلها ومبعثها وإنما حسبهم منها ما أقاموا به جاههم وحالهم.
وإما بخرافات منقولة عن كل ضعيف وكذاب وساقط لم يهتبلوا بمعرفة صحيح منها من سقيم ولا مرسل من مسند ولا ما نقل عن النبي (ص) مما نقل عن كعب الأحبار أو وهب بن منبه عن أهل الكتاب، فنظرت الطائفة الأولى من هذه الأخيرة بعين الاستهجان والاحتقار والاستجهال فتمكن الشيطان منهم وحل فيهم حيث أحب، فهلكوا وضلوا واعتقدوا أن دين الله لا يصح منه شيء، ولا يقوم عليه دليل، فاعتقد أكثرهم الإلحاد والتعطيل، وسلك بعضهم طريق الاستخفاف والإهمال، وإطراح ثقل الشرائع واستعمال الفرائض والعبادات، وأثروا الراحات وركوب اللذات من أنواع الفواحش المحرمات، من الخمور والزنى واللواطة والبغاء وترك الصلوات والصيام والزكاة والحج والغسل، وقصدوا كسب المال كيف تيسر، وظلم العباد واستعمال الاهزال وترك الجد والتحقيق إلى أن يقول في شأن القصاص الذين أذوا الإسلام والمسلمين: وأما الطائفة الثانية فهم قوم ابتدءوا الطلب لحديث النبي ص فلم يزيدوا على طلب علو الإسناد وجمع الغرائب دون أن يهتموا بشيء مما كتبوا أو يعملوا به وإنما تحملوه حملا لا يزيدون على قراءته دون تدبر معانيه، ودون أن يعلموا أنهم المخاطبون به، وأنه لم يأت هملا، ولا قاله رسول الله ص عبثا، بل أمرنا بالتفقه فيه والعمل به، بل أكثر هذه الطائفة لا يعمل عندهم إلا ما جاء من طريق مقاتل ابن سليمان والضحاك بن مزاحم وتفسير الكلبي وتلك الطبقة، وكتب البدء (أي بدأ الخليقة) التي إنما هي خرافات وموضوعات وأكذوبات مفتعلات ولدها الزنادقة تدليا على الإسلام وأهله، فأطلقت هذه الطائفة كل اختلاط لا يصح من أن الأرض على حوث والحوث على قرن ثور، والثور على الصخرة، والصخرة على عاتق ملك، والملك على الظلمة، والظلمة على ما لا يعلمه إلا الإله عز وجل، وهذا يوجب أن العالم غيره منتاه «وبالغ ابن حزم فقال» وهذا هو الكفر بعينه انتهى، فقد حكم هذا الحافظ الفذ على هذه الأشياء بأنها خرافات، وإن كانت هذه الخرافات مع الأسف لا زالت تعشش في أدمغة بعض العوام بواسطة بعض المغفلين من الوعاظ، وهذا ما جعل ابن عقيل في الفنون يقول: (لا يصلح للكلام على العوام ملحد ولا أبله وكلاهما يفسد ما يحصل لهم من الإيمان، وقال المرء مخبوء تحت لسانه ولابد أن ينكشف قصده من صفحات وجهه وقلبه ولسانه، وقال ما أخوفني على من كانت الدنيا أكبر همه أن تكون غاية حظه) وإذا نظرنا على استهتار بعض الشباب بالفروض والأوامر الدينية وإلى الانحلال الاجتماعي الذي يشكو منه كثير من المفكرين المتدنيين، ونظرنا من جهة أخرى إلى تمسك بعض المتعاطين للوعظ بالتساهل في المرويات وجلب أخبار الخليقة وكثير من الإسرائليات والأخبار التي لا تصح علميا وتاريخيا في مجتمعنا نجده قوي التشابه بعصر ابن حزم إبان ازدهار واختلاط العلوم الفلسفية والدينية والقصصية والخرافية، وإنها تحتاج إلى تطهير وميز النافع من الضار فيها، فما أشبه الليلة بالبارحة والتاريخ يعيد نفسه كما يقولون وكان من واجب علماء الدين المتيقظين أن يؤدوا زكاة علمهم الصحيح بملء الفراغ في ميدان الإرشاد الإسلامي الذي يحس به كل منصف في مغربنا، حتى يحتفظ المجتمع بقيمه الروحية ولكن القائمين بهذا الواجب قليلون، والأكثرون استطابوا الراحة والتمتع بالرواتب المرتفعة في عهد الاستقلال، فتعلل القضاة بحث القضايا المعروضة على المحاكم، والإداريون وممثلو السلطة العلماء بالأشغال الإدارية، والأساتذة بكثرة الدروس والمراجعة، والله يهدي من شاء إلى صراط مستقيم، وربك يعلم ما تكن صدوركم وما تعلنون.