تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 32

أبحاث ومقالات: أدب الحيرة

للأستاذ: عبد الكبير الفهري الفاسي

سفير المغرب في تركيا وإيران

لكل أمة في عهد من عهود تاريخها أدب خاص ليس هو الأدب الذي تخلقه الحياة العادية للأمة، أيام تكون أوضاعها مستقرة وأيام يكون أهلها راضين بما هم فيه من ألوان العيش، نعيمها وبؤسها، سرائها وضرائها، مما جاءت به طبيعة الحياة ولم يكن ناتجا عن عوارض خارجية من فتح أو غزو أو من غير ذلك.

أما هذا الأدب الخاص فهو وليد ظروف قد يقصر أمدها كما أنه قد يطول، وهذه الظروف قد تكون مثلا فترة غزو أجنبي يفضي أو لا يفضي إلى احتلال قد يطول أمده أو لا يطول، وكل احتلال من شأنه أن يقلب الأوضاع في الأمة المفتوحة، بعض الأوضاع أو جميعها، وكلما انقلبت الأوضاع في أمة فقدت التوازن وسادتها بلبلة في المعتقدات والقيم والأخلاق والآراء.

كما أن الغزو قد يكون مجرد غزو فكري عندما تلتقي حضارتان إن لم تتغلب إحداهما وهي الطارئة -على الأخرى- وهي الأصلية في البلاد - فقد يقع بينهما صراع قوي ومرير تتكون منه مأساة يحياها كل فرد، ولكن رجال الفكر وقادته يتأثرون بها أكثر من غيرهم لأنهم مهيأون للتفكير، مهيأون لمقابلة الأشياء ببعضها ومقارنة الأحوال بضدها، لا مندوحة لهم عن ذلك بحكم تكوينهم ومقدراتهم ومكانتهم في المجتمع، فهم بذلك من المعذبين في الأرض، أرض آبائهم وأجدادهم التي داهمها فاتح برهط جديد من الحياة ورهط جديد من الحضارة، يوشك أن يقلب الأوضاع، كبير الشأن منها وحقيره.

وهذا الصراع وتلك البلبلة، وهما نتيجة حتمية لكل غزو وفتح ولكل اصطدام لحضارتين - يظهران في الأدب الذي كان ولا يزال مرآة تنعكس عليها ما في النفوس والعقول من أنواع الأحاسيس والوجدانيات وما يسود النفوس من الإيمان واطمئنان أو حيرة وشك ويأس وما تقوم عليه أخلاق كل أمة من استقامة أو زيغ وانحراف.

وليس الأدب غير ذلك كلما جاء عفوا وكان غير موجه، وما زاد على ذلك قائما هو من براعة الفنانين من الكتاب والشعراء في التصوير والتعبير والأداء.

وهذا الأدب الناشئ عن التقاء حضارتين والذي يمتاز بالحيرة والبلبلة ويعبر عنهما، هو ما قصدنا إليه بالعنوان أعلاه، ويمكن التدليل عليه بأمثلة تاريخية كثيرة تؤخذ من اصطدام الحضارتين الرومانية واليونانية والتقاء حضارة اليونان بحضارة فارس عندما فتح الاسكندر المقدوني البلاد الشرقية وبث فيها مظاهر الحضارة اليونانية الراقية. ويمكن أن يمثل ذلك بما وقع لفارس من تدهور وبلبلة بعد الفتح العربي الإسلامي واصطدام تعاليم المزدكية بتعاليم الإسلام والذي نتج عنه هذا النوع من مفاهيم الإسلام وعقيدته، الذي ظهر بمظهر التشيع لعلي وبنيه، وكأنه رد فعل لما كان للإسلام من وقع في نفوس الإيرانيين.

ويغلب على الظن أن برابرة إفريقيا الشمالية وقع لهم مثل ذلك عندما صادمتهم الحضارة الرومانية وعندما دخلت المسيحية لهذه البلاد. وأحسن مثال ذلك ما نلمسه من تنازع نفساني في أحسن إنتاج فكري ففي تلك العهود وهو إنتاج القديس «سان اكوستان» البربري الأصل المسيحي العقيدة. ويمكن أن يقال مثل ذلك

في حق غيره من البرابرة بعدما أكرمهم الله بالعقيدة الإسلامية لأنها تصادمت في نفوسهم مع ما كانوا عليه من معتقدات.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٦٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٦٧