تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 30

احذروا رواسب الثقافة الخرافية

للأستاذ محمد الطنجي

إننا نعيش الآن في عصر العلم والثقافة ونود من صميم فؤادنا أن تتوحد هذه الثقافة العامة لتتقارب الأفكار ولا يبقى بين خواص المفكرين في الأمة إلا الاختلاف في نواحي الاختصاص العلمي الذي لا أثر له في اتجاه الأمة العام.

ومن أسباب الاختلاف التي ينبغي اجتنابها رواسب الثقافة الخرافية التي ملأ القصاص والوعاظ الخرافيون كتب الأخبار بها من قصص الأنبياء والأمم السابقين، ولا يزال بعض هذه المعلومات الخاطئة يلقيه بعض الوعاظ الذين يفسرون القرآن أو يلقون أحاديث نبوية غير متحرين في صحتها، والكل ممزوج بالإسرائيليات وأخبار مبدأ الخليقة والمبالغات في أخبار الفتوحات والكرامات المنسوبة لبعض الأشخاص التي تفوق معجزات الرسل.

وقد كانت لعلماء المسلمين والحفاظ المطلعين جولات صادقة في تنفير المسلمين من هدا النوع من القصص والوعاظ والأخبار، ولكن ذلك التنفير لم يكن نتيجته الحاسمة في صرف المسلمين عن هذا الاتجاه لأن النفوس مولعة بالأخبار الغريبة وخصوصا نفوس العوام، وذلك مما دفع بعض القصاص والوعاظ الذين لا ضمير لهم إلى اختراع أخبار وافتراء أحاديث على الرسول راجت في هذه الميادين روجا عظيما، وهذا يدفعنا لإعطاء فكرة عن القصاص والوعظ لأنهم ليسوا في درجة واحدة، بل منهم أئمة عظام في الدين، ومنهم كذابون مستغلون دعاة للنزاعات السياسية والدينية.

وقد استحدث هذا النوع من القصص بتشجيع الأمويين، ففي كتاب الشهاب الراصد، أن أول قاص في تاريخ الأدب العربي عبيد بن شرية الجرهمي العالم بالأنساب والأخبار، وكان من المخضرمين، استحضره معاوية بن أبي سفيان الخليفة الأموي الأول من صنعاء اليمن، فسأله معاوية عن الأخبار المتقدمة وملوك العرب والعجم وسبب تبلبل الألسنة وافتراق الناس في البلاد ونحو ذلك، فلما أجابه أمر معاوية أن تدون أقواله وتنسب إليه.

وهكذا تابع الأمويون خطة معاوية، فذكر المقدسي في الآداب الشرعية أن الإمام أحمد روى عن غضيف ابن الحارث قال بعث إلي عبد الملك بن مروان قال: أبا أسماء إنا جمعنا الناس على أمرين قال وما هما؟ قال رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة والقصص بعد الصبح والعصر، قال إما أنهم أفضل بدعتكم ولست بمجيبكم إلى شيء منها، قال لم؟ قال لأن النبي ص قال ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها، فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة.

ثم تطور الوعظ إلى جد حيث خاض ميدانه علماء معرفون بالجد وصدق العزيمة والنصيحة للمسلمين مهما كلفهم الأمر فقص بمكة عبيد بن عمر اللشيثي وأبو بكر الهذلي وقص بالمدينة مسلم بن جندب.

وبلغ الوعظ والنصيحة درجة الكمال بالحسن البصري بالبصرة ومن قاربه كابن ذؤيب والشعبي وأمثالهما، ولما ازدهرت المدينة الإسلامية في القرن الثالث أيام العباسيين حصل فتور عام عن هذا النوع من الوعظ والقصص والأخبار لأن العصر عصر علم، ولكن بقي أثاره وكثير من المنتحلين له من ضعفاء العلم يستغلون العوام إلا في الأقل النادر حيث ينبغ بعض الأفراد في العلم مع الدين المتين فيحيون سننا كثيرة ويميتون بدعا منتشرة، وقد عاب الحافظ أبو محمد ابن حزم في كتابه «الملل والنحل» طائفتين أضرتا بالدين وجرتا وبالا على المسلمين، الطائفة الأولى من درسوا علوم الحساب والهيأة والطبيعيات وعوارض الجو وأراء الفلاسفة في الدين، وحملوا كل كلامهم العلمي والظني والخيالي محملا واحدا وقبلوه قبولا مستويا دون أن يفرقوا بين المسائل التي قامت عليها الحجج البرهانية كعلم الهيأة والحساب، وبين

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٦٥