إبقاء وطنه كله جزءا من أجزاء الخلافة العثمانية لو ظلت موجودة، لأنه في مثل هذه الحال، لا يعتبر بلاده مستعمرة للأتراك ولا يعتبر إلا أن هناك رباطا بين دول عديدة، هو عمامة الخليفة الذي يمكن أن يعين من أي بلد إسلامي متى رضي المسلمون، أما وقد أصبحت تركيا دولة مستقلة عن هذا الاتحاد الإسلامي فليس هناك مانع من أن تعامل على أساس أنها دولة أجنبية تريد التوسع على حساب غيرها، ولكن وقع في هذا الوقت بالذات أن كتب رياض الصلح الزعيم اللبناني الكبير نداء نشرته جريدة البوبلير الاشتراكية يدعو فيه إخواننا الريفيين لعدم الثقة في الجنرال فرنكو ووعوده، وكان ذلك من رياض مجاملة للاشتراكيين الفرنسيين في الوقت الذي كانت المفاوضات جارية بين الوفد السوري واللبناني وبين فرنسا، فكتب الأمير يقول: بمجرد ما اطلعت على مقال الأخ رياض كتبت إليه ألومه على ندائه، لأنه ترضية للاشتراكيين على حساب إخواننا الريفيين، ومن المعلوم أن الحرب الإسبانية كانت ضد الجبهة الشعبية الإسبانية المتحالفة مع الجبهة الشعبية الفرنسية، وكل من الجبهتين والثائرين عليها سواء في السياسة التي اتبعت لحد تلك الساعة في المغرب الأقصى.
وحارب إيطاليا بالدعاية وبالسلاح في ليبيا وفي غيرها من الأماكن التي نكبت باستعمارها، ولكنه لم يتأخر عن مد اليد لمسوليني حينما أراد هذا الأخير أن يدشن عهدا للتقارب بين إيطاليا وبين العالم الإسلامي، ولم يكن الأمير في عمله هذا أكثر من سياسي يستعمل التاكتيك اللازم لإنجاح قضايا العرب والمسلمين المتحدة في اهتمامه وتفكيره، وقد هاجت الدعاية الانكليزية لموقف الأمير من أعمال إيطاليا، وبدأت الهيئات المصرية تتحرك باسم الدفاع عن وادي النيل من الاستعمار الإيطالي، ولكن الأمير كتب الرسائل وجند الصحف ليوجه الرأي العام العربي قبل كل شيء لمحاربة الانكليز، قائلا لهم: قبل أن تحذرونا من الخطر الانكليزي أعطونا استقلال مصر، ووجد كلامه صدى في أبناء الكنانة ردده في مقالات عديدة الكاتب الأكبر الأستاذ عباس محمود العقاد، وغيره من رجال السياسة والفكر، وانعقدت الاجتماعات المتوالية ووقعت المظاهرات، وانتهى الأمر بعقد معاهدة 1936، التي كانت في وقتها خطوة لا بأس بها بالنسبة لما تطلبه مصر من استقلال وجلاء.
وقد وجه بعض أصدقاء الأمير من الفرنسيين له عدة رسائل ينعون عليه موقفه إزاء إثيوبيا، فكتب إلى المسيو جان لونكي النائب الاشتراكي الفرنسي المعروف رسالة ذات اثنتي عشرة صفحة باللغة الفرنسية بعث لي الأمير نسخة منها للإطلاع، وقد قال له فيها: إنكم تلومون ايطاليا على الاستعمار، وماذا هو موقفكم من الاستعمار الفرنسي والانكليزي؟ إن حفنة من الأحرار مثلكم لا تستطيع أن تغير شيئا من الاضطهاد الديني الذي تقوم به فرنسا نحو المسلمين في المغرب وفي سوريا، وانكلترا في غيرهما من البلدان، إنني لا أؤيد إيطاليا في استعمارها، ولكن إيطاليا أعلنت كثيرا من الحقوق الدينية للمسلمين في مستعمراتها الإفريقية تدشينا لعهد جديد في سياستها الاستعمارية، وقد رفض النجاشي ما طالبته به مرارا من إعلان مساواة المسلمين الأحباش بإخوانهم المسيحيين، إنني لست حبشيا، والذي يهمني هو أن يعيش المسلمون الأحباش أحرارا في شؤونهم الخاصة، ثم عليهم أن يحرروا بلادهم من الاستعمار إذا شاءوا.
ليس من شأني أن أؤيد موقف الأمير أو أنتقده، وإنما يجب أن أقول: إنه كان منسجما مع مبادئه في جميع المواقف التي اتخذها - وإن سياسته الخارجية لم يكن يمليها عليه مبدأ مثالي محض، ولكن كان يمليها عليه إيمانه بقوميته العربية وبملته الإسلامية، فالجهة التي فيها مصلحة العرب والمسلمين هي الجهة الحق التي يجب أن يناصرها، ولو كانت ضد المبادئ العامة التي يشيد الناس بذكرها في كل المناسبات.
ولكي نفهم عقلية الأمير في هذا، يجب أن نذكر على جهة المثال: قضية قبرص التي تطالب اليونان بتحريرها من السيطرة الانكليزية بينما تريد الأقلية المسلمة المقيمة بها أن تبقى مؤقتا تحت حكم الانكليز إلى أن ترجع إلى أمها تركيا، فلو كان الأمير حيا لما وقف غير موقف التأييد للأقلية المسلمة، أي لبريطانيا عدوته اللدود، ولما شغل نفسه بمبدأ تقرير المصير العزيز على دول الأمم المتحدة.
سأكون منكرا لجميل الأمير إذا أخليت حديثي عن قوميته من موقفه إزاء القضية المغربية عموما والمراكشية بالخصوص، وقد كان لحركتنا الوطنية فضل الاتصال الأول مع الأمير، حتى كان واحدا من رجالنا، وعمدة من أهم العمد التي نستند إليها في الحصول على تأييد العرب والمسلمين لقضيتنا،