وبمجرد ما قامت حركة الاحتجاج المراكشية على الظهير البربري، انتقل الأمير رحمه الله إلى تطوان واتصل ببعض إخواننا الحاج عبد السلام بنونة والحاج عمر عبد الجليل وعرف معنى السياسة البربرية ووقف على أسرارها، ثم رجع إلى سويسرا حيث أعلنها حربا عشواء على الفرنسيين، ولم يزل يوالي كتاباته واتصالاته بنا وبأقطاب العالم العربي والإسلامي وتعريفنا بهم وتقديمنا إليهم حتى أصبحت حركتنا في عداد الحركات التي يستند إليها المكافحون في المشرق والمغرب لحماية التراث العربي الإسلامي والدفاع عن وحدة أراضيه وتحريرها.
وقد أخرج الأمير من طنجة، ومنع من الدخول لمنطقة الحماية الفرنسية في المغرب الأقصى كما منع من زيارة الجزائر وتونس وفرنسا نفسها منذ أن بدأ يتحدث عن المغاربة ويدافع عن حقوقهم.
وكان الأمير رحمه الله كثير الإعجاب بسير حركتنا الوطنية وتنظيمها، وكان يعلق آمالا كبيرة عليها لإذكاء الروح العربية في المغرب، وكانت صلته بي وبأصدقائي صلة الأب الحنون بأبنائه الأبرار، والأستاذ العظيم بتلامذته الأحرار.
ولا أعتقد أنه أحب رجالا كمثل ما أحب أبناء المغرب، خاصة الأخوين محمد الفاسي وأحمد بلافريج وقد سألته مرة بمحضر الشيخ مصطفى الناياتي بجنيف أيهما أحب إليه، فقال لي: كيف يخير المرء بين عينيه الاثنتين، ثم قال لي: ولا بين عينه الثالثة التي هي أنت.
وقلت له مرة: أراك تحب تخليد أصدقائك في جميع ما تكتبه، فننتهز فرصة سؤالنا عن بعض المسائل ثم تأبى إلا أن تشيد بذكرنا فيها بكل مناسبة، فابتسم، وقال لي هو ذاك، ثم عاد يبعث لي دائما ببعض الفصول التي يذكرني فيها أو ينقل عني بعض المسائل التي وجهها إلي، ويقول لي: إنك تتهمني بأني أريد أن أسجل أسماءكم، ولكن الواقع أن ما حكيته أو رويته عنك هو من صنع يدك، وكيف يمكنني أن أبخسك حقك.
كان آخر مرة اتصلت فيها بالأمير يوم كنت في طريق منفاي سنة 1937 حيث اجتمعت صدفة وبطريق السر، مع تاجر جواهر شامي على ظهر الباخرة التي كانت تنقلني من مدينة (ليبرفيل) عاصمة الجابون إلى مدينة (بورجنتيل) فعرف الشاب السوري الذي لا أذكر اسمه، قضية اعتقالي و إبعادي، ورغب مني أن أدله على خدمة يقدمها إلي، فقلت له اكتب إلى الأمير شكيب رسالة بالنيابة عني أخبره فيها خبر ما رأيته، وأعطيته عنوانه، وقد علمت بعد رجوعي أن الشاب كتب للأمير، وأن شكيبا رحمه الله نشر رسالته وأقام الدنيا العربية وأقعدها احتجاجا على سوء المعاملة التي ارتكبها الفرنسيون معي.
ولكني بالأسف، ما عدت من منفاي سنة 1946، وبدأت أفكر في الاتصال به من جديد حتى توفاه الله إليه بعد أن أقر عينيه باستقلال سوريا ولبنان وتأسيس الجامعة العربية.
لو عاش شكيب لما اعتبر مهمته قد انتهت بذلك الاستقلال القومي، ولاستمر في كفاحه يسند الجامعة العربية وقضاياها والمؤتمر الإسلامي وغايته، ولن يرضى إلا إذا استقلت كل بلدان العرب وبلدان المسلمين واتحدت فيهما القومية العربية الخاصة بالملية الإسلامية العامة.
وتلك هي رسالته للقوميين العرب، ورسالته للمسلمين جميعا.