تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أن يفكروا في تعبئة جميع القوى المنكوبة بالاستعمار لتضرب المستعمرين ضربة الرجل الواحد، وذلك ما يجعله يقف موقف المبشر الداعية ليعيد الأمر لنصابه الطبيعي، فيتصل بكل القادة ويكاتبهم ويعمل على عقد المؤتمرات الإسلامية أو العربية، ولكن جهوده كلها لم تكن تؤدي إلا إلى اليسير من النتائج، وإن كانت تؤدي به إلى غضب المستعمرين عليه وعمله على إبقائه في عزلة عن بقية أقطاب العالم العربي.

وحينئذ تتجلى عظمة شكيب، فقد جعل من نفسه علما تتجه إليه أنظار المسلمين في كل أنحاء الأرض، لقد أصبح مكتب التنفيذ لمؤتمر إسلامي معدوم، ومكتب الاستعلام والإعلام عن كل قضية وكل بلد للعرب وللمسلمين فيها حق أو نصيب، ولكن جهاده الإسلامي العام لم ينسه أبدا وطنه الخاص الذي هو بلاد الشام بكل أجزائها، بل إنه كان يخدم سوريا الكبرى بخدمته لقضايا المسلمين، لكي يكفي أن تتوجه منه رسائل وبرقيات لدنيا المسلمين لكي تثور ضد فرنسا وبريطانيا والصهيونية، وتتوالى الاحتجاجات من كل جهة على أعمال الاستعمار والصهيونية في أراضي الشام.

اجتمعت معه ليلة في منزله بجنيف، فقرأ علي رسائل وردت إليه من الملايو والصين والهند وأفغانستان وإيران والبلاد العربية وإثيوبيا ومن إفريقيا وأمريكا، وكلها تشكو من أحوال المستعمر أو تطلب الدعاية لقضية بلادها أو تستشير الأمير فيما يجب أن تعمله إزاء بعض القضايا القائمة، وكان الأمير يعلق في حديثنا معه على كل واحدة منها ويأخذ رأينا فيها ثم يستيقظ مبكرا ليجيب عن جميعها، وكان من جملة هذه الرسائل رسالة أندونيسيا تحكمه في الخلاف القائم بين العلويين وبين غيرهم في إطلاق كلمة السيادة على الجميع، وقد كتب جوابا يندد فيه بالخلاف ويحكم بإقباره لأن الوقت لا يسمح للمسلمين أن يختلفوا في قضايا غير ذات أهمية كهذه، ورسالة من أحد التجار المسلمين في إثيوبيا يشكو من اضطهاد النجاشي للمسلمين ويقول أن النجاشي يؤثر غير المسلمين بفتح وسائل التجارة والاقتصاد في وجوههم، في هذا الوقت الذي لو بعث الله فيه نبيا لجعل معجزته المال. ورسالة من تركي يشكو فيها الكبت الديني الذي تقوم به حكومة أتاتورك، وقد تولى الأمير الدفاع عن كل هذه القضايا وغيرها، وأرسل للنجاشي عدة رسائل يعظه فيها بالتخلي عن ظلم المسلمين وكان آخر ما طالبه به إصدار إعلان رسمي بمساواة المواطنين الحبشيين جميعا في الحقوق والواجبات، ولكن طلبه لم يحظ بالقبول ولا حتى بالجواب، الأمر الذي أغضب الأمير وجعله يقف من الحبشة موقفه المعروف عند الاحتلال الإيطالي.

وغضب على الأتراك غضبة أقضت مضجع رؤسائها فبعثوا يسترضونه مع سفيرهم في سويسرا ولكنه رفض مقابلة السفير. وحينما دعا لعقد مؤتمر سلمي في أوربا عملت تركيا كل الوسائل ليدعوها للحضور في المؤتمر فرفض، وصارح مبعوثها بقوله: لقد دعاكم العرب لحضور المؤتمر الإسلامي في القدس فعرضتم الدعوة على البرلمان ثم قررتم رفضها، أتريدون أن أتيح لكم فرصة رد الدعوة مرة أخرى؟.

لم تكن تصرفات الأمير وأعماله إلا بوحي من مبادئه القومية والمالية في وقت واحد، فقد حارب فرنسا لاحتلالها بلاد الشام بكل ما استطاعه من سياسة ومن سلاح، وحينما دخلت الحكومة السورية في مفاوضة معها سنة 1936، وقف موقف المتحفظ المتحفز وكان الوفد السوري اللبناني يتردد عليه لاستشارته في بنود المعاهدة القائمة، ولكنه لم يرض عنها كل الرضا بعد توقيعها من الطرفين، الأمر الذي اضطرم. فيينو إلى توسيط أحد الساسة العرب السيد أميل الخوري لاسترضائه حتى قبل أن يتناول العشاء مع فيينو الذي قدم لسويسرا لزيارته، وقد كتب إلي الأمير بعد هذا العشاء رسالة يقول لي فيها: لقد أعلنت لفيينو مرة أخرى عن عدم رضاي عن المعاهدة السورية الفرنسية، ولكني لم أرد أن أضيع الفرصة فقلت لفيينو: يمكنكم أن تعوضوا لي بأمرين:

تأييد سوريا أمام جمعية الأمم للمحافظة على سنجق الإسكندرونة، وبإرضاء الأماني القومية للشعب المراكشي، وقد بقي فيينو فعلا متصلا بالأمير بواسطة السيد أميل الخوري سواء في قضية الإسكندرونة أو في قضية المطالب المراكشية، حتى تحولت السياسة الفرنسية إلى عداء للسوريين بعدم المصادقة على المعاهدة وللمراكشيين بعمليات القمع التي ارتكبها ضدنا سنة 1937.

فنحن نرى كيف أن الأمير لم يستنكف عن الاستعانة بالخارجية الفرنسية في دفع مطالب تركيا من جزء من الوطن السوري، وهو الذي لا يتأخر عن

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٥٢