تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من رجالات العرب بفرنسا وانكلترا واستمدادهم من هذين الدولتين كل وسائل الإغراء والتشجيع على الثورة على الترك باسم الاستقلال، وقد سمعت شكيبا يتحدث في هذا الموضوع وقرأت له الكثير من رسائله ومقالاته فيه، وتتلخص كلها في أن صالح العرب هو في صالح اتحاد المسلمين وجمع كلمته، وأن الخليفة مهما تلتقي حوله أهداف المسلمين لا في البلاد ذات الأغلبية المسلمة فقط، ولكن حتى بالنسبة للأقليات المسلمة في سائر أنحاء الدنيا، وقد أعطاه التاريخ من الاعتبار ومن الحقوق ما لا يمكن أن ينزعه منه أحد، فهو الذي له الحق وحده في الاحتجاج الرسمي على كل أذى يلحق المسلمين أو يصيب ديارهم، وأن ثورة العرب عليه لن تؤدي إلى تكوين الخلاقة العربية كما يزعم البعض، وإنما تؤدي إلى تفكيك عرى وحدة المسلمين ووحدة العرب ثم استيلاء الغربيين الانكليز والفرنسيين على أوطانهم وإفساد أخلاق أهلها.

وقد دار الزمن دورته وثار العرب على العثمانيين وأعلنوا الخلافة الهاشمية، وأراقوا دماءهم في سبيل الحلفاء الذين كالوا لهم من الوعود المعسولة والأموال المنقولة ما أعمى قادتهم عن تبصر الحقيقة على وجهها، وزاد الطورانيون أيضا في غواياتهم فتم للأجنبي ما أراد، وانتهت الحرب الكبرى بنصرة الحلفاء على تركية وحليفتها ألمانيا، وكان أول ما عملته انكلترا وفرنسا أن اعتقلت الأولى جلالة الإمام حسين وطردت الثانية ابنه فيصلا من بلاد الشام ثم استولتا على الأرض العربية وانتهى الأمر بطرد الأتراك لخليفتهم وإعلان الحكم اللاديني في تركيا الفتاة.

أما رجالات العرب والأتراك، فقد دخلوا في هذه الأطوار الجديدة التي يقتضيها العهد الجديد، وقبلوا العمل في الغالب في دائرة قومية ضيقة ترضي الانكليز وإن كانت تحاربهم، ويعطف عليها الفرنسيون وإن كانت ستطردهم، وهكذا ترك مصطفى كامل وحزبه الميدان للذين يعملون باسم القومية بمعناها الغربي الجديد، وتبلورت الوطنية في العراق حول ملكها الهاشمي فيصل العظيم، واستيقظت الجزيرة العربية على صوت الوهابية ونظامها، وغطت اليمن في نومتها العميقة إلى اليوم، وسارت ليبيا والمغرب العربي والشام يكافحون المستعمر في جو ملأه الشوق إلى الحرية والاتحاد، وبقيت الشام بأجزائها الثلاثة تفكر كيف تعيد للحركة العربية روحها فتكونت اللجنة السورية الفلسطينية لتعبئة القوى العربية ومواجهة الاستعمار.

وكان شكيب زعيم هذه المنظمة يسير بها وبرجالها في الداخل والخارج لمكافحة المستعمر الفرنسي والانكليزي، ولكنه وحده الذي ما كان يحس في أعماقه إلا بأنه على ثغرة من ثغر الجهاد العربي والإسلامي، ويحرر وطنه ليكون جزءا لا يتجزأ من بلاد العرب ثم من دولة الإسلام.

..................... صورة ...................

الأمير شكيب أرسلان بالزي المغربي التقليدي أخذت هذه الصورة لسيادته في سنة 1350 هجرية. وهي من محفوظات الصور التاريخية للأستاذ محمد دواد بتطوان

ومن السهل أن تتصور الآن جو الآلام التي كان يعيش فيها هذا البطل الكبير، رجل كافح لتجديد الأمة الإسلامية جمعاء، يرى آماله تنهار بيد أعداء، ثم يرى زعماء المسلمين أنفسهم يقبلون أن يكونوا أداة للفرقة ينظرون إلى قضيتهم الخاصة من الزاوية التي علمهم المحتل أن ينظروا إليها، يكافحون وحدهم دون

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٦٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٦٥١