دعوة الحق، س.3، ع1 /أكتوبر 1959 .............. ص 15
شكيب أرسلان بين القومية العربية والجامعة الإسلامية
للأستاذ الكبير: علال الفاسي
ليس هنالك رجل تتعدد جوانب حياته، وتتشعب مظاهر أعماله كشكيب أرسلان الذي ساير النهضة العربية والإسلامية منذ بداية عهدها، وساير التقلبات التي سارت فيها الشعوب العربية والمسلمة قبل أن يتبلور عندها الاتجاه الغالب اليوم وهو الاتجاه القومي الخالص.
وشكيب ليس من أولئك القادة الإقليميين أو المحليين، ولكن البطل الذي عم كفاحه كل جوانب المحليين، ولكن البطل الذي عم كفاحه كل جوانب الأرض المسلمة، ولذلك لا مناص من أن يكون تفكيره تفكيرا شموليا لا تقف به الحدود ولا تضيق به الاعتبارات؛ إنه لبناني وشامي وعربي، ولكنه مع هذا وذاك عثماني ومسلم.
والذين يتلمسون اليوم روح القومية عند شكيب، تختلط عليهم الأفكار وتتبلبل عندهم الآراء بسبب هذه الدعايات الغربية التي ما بذلت من جهد بقدر ما بذلته في سبيل تفريق كلمة المسلمين وبعث الشعوبية الضيقة في أوطانهم، أما شكيب والقوميون الأحرار أمثاله فهم لا يجدون هنالك تناقضا بين أن يكون الرجل قوميا وإسلاميا أو عالميا أي إنساني ا؛ إن كل هذه الأشياء تتحد في حقيقتها حينما يصغي المرء لضميره ويبدأ في العمل لتحرير قومه والطائفة التي ينتمون إليها ليجعل منهم أداة صالحة في مجتمع إنساني أفضل.
وتلك هي المبادئ التي كانت تغمر قلب شكيب وتوجهه في سائر أعماله.
كان مسلما يعرف كل محاسن الإسلام ويناضل عنها، ولكنه ما كان يقف موقف المتعصب إزاء أبناء قومه من رجال الملل الأخرى، المسيحي في لبنان وسوريا كمثل ما حظي به شكيب في أخطر ظروفه وأقواها، وهي ظروف الاتهام الذي وجه إليه بسبب دفاعه عن مسلمي الحبشة.
وكان عثمانيا يدعو إلى الجامعة الإسلامية كرابطة سياسية واجتماعية بين مختلف الشعوب التي تنضوي تحت لواء العثمانيين، وهذه إحدى الصفات التي جلبت له الكثير من الأعداء والعديد من الخصومات، لأن أصدقاءه الكثيرين بل إخوته كانوا يختلفون معه في هذا الاتجاه في وقت كان أعظم رجال العرب يضيقون ذرعا بأعمال الأتراك ويطالبون بالاستقلال العربي ثم بتكوين خلافة عربية.
ولكن شكيب كان أبعد نظرا منهم وأكثر تقريرا للمستقبل، فقد كان يعرف أن الأتراك يرتكبون من ضروب الظلم مع العرب ما يستوجب الثورة ويدعو إلى الانفصال، ولكنه كان يعلم أن ذلك الظلم لم يكن ينبعث إلا من رجال (الاتحاد والترقي) أي من الأتراك المستغربين بل من مهاجري التركستان الذين كانوا يريدون بعث الجامعة الطورانية رغبة في تحرير أوطانهم من الاحتلال الروسي، وإن عامة الأتراك ما يزالون متمسكين بمبدأ الوحدة الإسلامية التي خلقت لهم ماضيهم المجيد. ولذلك فالأوفق للعرب أن يغالبوا التيار ويطالبوا بالإصلاح حتى تتكون لامركزية عثمانية يحصل معها العرب على حكمهم الذاتي دون أن ينهار صرح الخلافة الذي هو أساس وحدة المسلمين وحفظ كيانهم.
وكان شكيب أكثر الناس إطلاعا على ما آلت إليه الحركة العربية من خروج عن خطتها الأولى المبنية على الإخلاص والتضحية، وأكثرهم معرفة باتصالات الكثير