المعروفة ورفع بعضها. فهو لا يتناول من الأخلاق إلا ما كان معروفا عند جميع الناس، حتى لا يغادر من الأخلاق المعروفة صغيرة ولا كبيرة إلا اقتناها وأخذها كلها. ثم يضع كل واحدة منها موضعها من الحياة الإنسانية ويحلها محلها اللائق بها من مسالك الحياة البشرية ويوسع في تطبيقها على الحياة الإنسانية توسيعا عظيما، إلى أن لا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعبها كالأعمال الفردية والشؤون البيتية والعشرة المدنية والشؤون السياسية والاقتصادية والسوق والمدرسة والمحكمة والشرطة والمعسكر وساحة الحرب ومؤتمرات الصلح وما إلى ذلك من نواحي الحياة الإنسانية الأخرى - فلا تبقى ناحية من نواحي الحياة ولا شعبة من شعبها إلى وترى فيها للأخلاق أثرا جامعا متغلغلا في أعماقها. فالإسلام يجعل الأخلاق مسيطرة في جميع نواحي الحياة ومهيمنة عليها. وهو يريد بذلك أن ينتزع زمام شؤون الحياة من أيدي الشهوات والأغراض والمصالح ويضعه بيد الأخلاق الزكية والآداب الحسنة.
والميزة الثالثة لنظام الإسلام الخلقي أنه يطالب الناس ويلتمس منهم إقامة نظام للحياة ينهض بنيانه على المعروف ولا يشوبه شيء من المنكر. فيدعوهم قاطبة إلى أن يقيموا الخيرات ويعمموا الحسنات التي نظرت إليها الإنسانية في كل زمان ومكان بنظر الإكبار والإجلال وأن يرفضوا ويقضوا على المنكرات التي طالما نظرت إليها الإنسانية بعين الازدراء والاحتقار. فهذه الدعوة هي التي دعا إليها الإسلام جميع أبناء البشر، فالذين استجابوا له ولبوا دعوته جمعهم على كلمته الجامعة واتخذ منهم أمة مسلمة، وما كان غرضه بجعلهم أمة واحدة إلا أن يجمعوا ما في مستطاعهم من الجهود ويسعوا سعيا اجتماعيا في إقامة المعروف وتدعيمه وتعميميه وكبح جماح المنكر والقضاء عليه واجتثاث شجرته من جذورها فإن كانت هذه الأمة قد عادت إلى اقتراف المنكر واجتراح السيئات تسير سيرة من يقاومون المعروف ويسعون وراء إطفاء نوره، فعلى الدنيا وعلى هذه الأمة السلام، ولا حول ولا قوة إلا بالله.