دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ....................... ص 15
تصوراتهم للأخلاق والآداب. ما كانت فيهم حكومة تحكمهم وتجمع كلمتهم ولا قانون يأمرهم وينهاهم، بل كانت كل قبيلة منهم مستقلة بأمرها لا تتبع إلا قانون الغلبة، فكل من كان يقدر منهم أن يقتل غيره قتله واستولى على ماله، وكان فوق فهم البدوي منهم ألا يقتل من ليس من قبيلته ولا يتصرف في ماله.
وكانت تصوراتهم للأخلاق والآداب في غاية من الانحطاط والجهل، فما كان لهم من عهد - تقريبا - بالفرق بين الطاهر والنجس والحلال والحرام والجائز وغير الجائز. كانت حياتهم قذرة وأعمالهم وحشية وأصبح الزنا والميسر وإدمان الخمر والسرقة وقطع الطريق وقتل النفوس من عاداتهم ومألوفاتهم في حياتهم اليومية. كانوا يتعارون بينهم بدون حياء ولا كلفة، وتطوف نسائهم ببيت الله عاريات، ويئدون بناتهم بأيديهم لا لشيء إلا تحاشيا عن وصمة المصاهرة، وينكحون أزواج آبائهم من بعدهم، وكانوا على غير شيء - تقريبا - من العلم بآداب الأكل والشرب واللباس والطهارة، فكانوا يأكلون الميتة، ويأتون الفواحش، ويقطعون الأرحام، ويسيئون الجوار، ويأكل القوي منهم الضعيف، وكان لهم نصيب موفور مما كان مطبقا في سائر أنحاء الدنيا في تلك الأيام من الخبائث والضلالات والجهالات، فما كانوا دون غيرهم في أي نوع من أنواع العبودية لغير الله كعبودية الأرواح والنجوم والأصنام والحجارة، وما كان لهم علم صحيح بالأنبياء السابقين وتعاليمهم، وما كانوا - على معرفتهم أنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام - يعرفون ما كان دينهما ومن كان يعبدانه. كانت قصص عاد وثمود رائجة فيهم، ولكننا إذا انظرنا نظرة في الروايات التي قد نقلها مؤرخو العرب عن هاتين الأمتين، ما عثرنا فيها على شيء من تعاليم صالح وهود عليهما السلام. وكذلك كانت وقائع بني إسرائيل وأيامهم بلغتهم بواسطة اليهود والنصارى ولكننا إذا قرأنا في كتب التفسير ما سيق فيها من الروايات الإسرائيلية عرفنا نصيب هذه الروايات من الصحة وموافقتها للعقل السليم، وعرفنا كيف كان أولئك الأنبياء الذين كان يعرفهم العرب بل اليهود والنصارى أنفسهم، وما كانوا عليه من الأخلاق والآداب الإنسانية، وعرفنا ما كان لهؤلاء العرب من التصور الدنيء الفاسد للنبوة والرسالة.
في مثل هؤلاء القوم، وفي مثل هذه الأحوال، ولد مولود مات عنه أبوه قبل أن يولد، ثم ماتت عنه أمه وجده في أيام صباه، فما تلقى من التربية ما عسى أن يتلقاه حتى في مثل هذه الحال والبيئة المتداعية، لو كان أبواه وجده في قيد الحياة، فلما نشأ وبلغ سن الشعور، وجد نفسه يرعى الغنم مع أترابه من أبناء العرب. ولما شب اشتغل بالتجارة، وما كانت مجالسته ومعاشرته ومخالطته إلا لأولئك العرب أنفسهم الذين قد سلف القول فيما كانوا عليه من الانحطاط في عادتهم وخصالهم وأخلاقهم. كان أميا لا يعرف القراءة والكتابة ولم تتح له صحبة عالم، لأن العالم لم يكن له وجود أصلا في بلاده. نعم، أتيح له أن يرحل إلى خارج بلاده مرتين أو ثلاث مرات، ولكن ما كانت رحلته في كل مرة إلا إلى الشام، ولا كانت تعدو في غايتها بيع البضائع وشراءها، على مثل ما كان من عادة قوافل العرب في تلك الأيام. ونحن إن فرضنا جدلا أنه شاهد في هذه الرحلات آثارا للعلم والثقافة، واتفق له أن يقابل بعض أصحاب العلم، فالظاهر أنه بمثل هذه المشاهدات المتفرقة الخاطئة، والمقابلات السريعة الفجائية، لا تغير طبيعة الإنسان وسيرته في الحياة، ولا تؤثر فيه تأثيرا يجعله مختلفا - اختلافا بينا - عن قومه في عاداته وأخلاقه وخصاله وأفكاره، أو يحصل له بها علم يجعله معلم قطر من الأقطار أو زمن من الأزمان فحسب، ولكن معلم الإنسانية وهاديها وزعيمها ومنقذها في جميع الأقطار والأزمان، وهو إن كان قد استفاد من علوم الأجانب - ولو في أي درجة - فما كانت له وسيلة، على كل حال، إلى تحصيل ما كان معدوما في زمانه من المعلومات والنظريات والمبادئ في الدين والأخلاق والآداب والمدنية والسيرة الإنسانية.
لا تتمثل حالة بلاد العرب وحدها ولكن تمثل حالة الدنيا كلها.
إنك ترى بدون شك أن الذين ولد فيهم هذا الرجل، ونشأ وشب بين أظهرهم وعاشرهم طول حياته، كان مختلفا عنهم كل الاختلاف - كما قلت آنفا - في عاداته وأخلاقه وخصاله وأفكاره، فلم يكن يكذب في حديثه ولا يؤذي أحدا بيده أو لسانه. كان لين الجانب خفيف الظل عذب الكلام، يشغف حبا كل من يجالسه مرة، وما كان لينال من أحد شيئا - مهما صغر وحقر- على طريق غير مستحسن، وكان قومه كلهم يشهدون له بالصدق والأمانة، ولا يتهمه أعدى أعدائه منهم بالكذب في حديثه ولو مرة طول حياته، ولا يرونه يسافه أحدا في القول أو يناوله بما يسوءه. اشتغل بالتجارة ردحا من حياته ولكن لم يجده أحد يخاصمه ويبادله السباب أو يهضم له حقا، بل كان من الأمانة والصدق والعفاف حيث جعل كثير من أبناء قومه -ومنهم ألد أعدائه- يأمنونه على أموالهم الثمينة، ويودعونه إياها، وهو يحافظ عليها كما يحافظ على نفسه وماله، وكانوا جميعا يعتمدون عليه ويثقون بأمانته فيلقبونه بالأمين في أحاديثهم ومناداتهم له، وكان ?