تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ...................... ص 16

حييا لم يظهر لأحد بدنه عريانا بعد سن الشعور. وكان مهذبا ينفر من الشر والرذيلة على الرغم من نشأته ومعاشرته طول الحياة رجال الشر والرذيلة. وكان نظيفا نزيه الذيل في كل عمل من أعماله طاهر القلب يتألم برؤية قومه ينهبون الأموال ويسفكون الدماء ويقطعون الأرحام، فيسعى لإصلاح ذات بينهم كلما حمي بينهم وطيس الحروب والمعارك. وكان رؤوفا يشاطرهم ما ينزل بهم من المصائب، وينصر المظلوم ويعول اليتامى ويواسي الضعفاء والملهوفين، ويطعم الجياع ويضيف أبناء السبيل ويكرم مثواهم، ويتحمل الشدائد والخسائر للغرباء والمحتاجين، وكان ذكي الفؤاد ثاقب القريحة، يربأ بنفسه عن عبادة الأوثان والأصنام على معاشرته لقوم كانت الوثنية فطرتهم الثانية، ودينهم الذي ورثوه عن آبائهم كابرا عن كابر، ولا يطأطئ رأسه لأحد من الخلق، كان قلبه يحدثه بأن لا شيء في الأرض أو السماء يستحق العبادة، وان الله واحد ليس له -ولا ينبغي أن يكون له - شريك في الألوهية، فكأنه كان يتلألأ بين قومه الجاهلين الوحشيين كما تتلألأ الجوهرة الكريمة بين الأحجار الكثيرة أو كما يتلألأ السراج في ظلمة الليل.

ثم ترى أنه بعد أن عاش في قومه عيشة نظيفة رفيعة، وبلغ أربعين سنة من عمره، ضاق ذرعا بهذا الظلام المطبق على مجتمعه من كل جانب، وأراد لنفسه النجاة من هذا البحر الخضم من الجهل والفوضى والانحلال الخلقي والعملي والشرك والوثنية، لأنه ما كان يجد فيه شيئا يلائم فطرته، فبدأ يخرج من حيه ويقضي أياما طوالا في غار في عالم الوحدة والخلوة، يزكي قلبه وروحه بالتحنث والصيام ويتأمل ويطيل التأمل وينشد نورا يقشع به الظلام المطبق على قومه، ويريد شيئا يصلح به هذه الدنيا المملوءة بأسباب الخبث والفساد والفوضى.

وهناك حدث في حياته تغير عظيم، واستنار قلبه فجأة بنور لم يكن فيه من قبل، وامتلأ بقوة كان خاليا عنها حتى ذلك الحين، فخرج إلى قومه من خلوة الغار ونادى فيهم ((أن اخلعوا هذه الأوثان والأصنام التي تعبدونها وهي لا تضركم ولا تنفعكم، فإنه ليس في الأرض إنسان ولا شجر ولا حجر ولا روح ولا سيارة تصلح لتطأطئوا رؤوسكم وتعبدوها، وإن هذه الأرض والشمس والقمر والنجوم وما في السماوات والأرض من القوى ما خلقها إلا الله وحده، وهو الذي خلقكم ورزقكم، وهو الذي يميتكم ثم يحييكم، فلا تعبدوا غيره، ولا تستعينوا إلا إياه، ولا تطلبوا قضاء حاجتكم إلا منه، ومن الإثم ما تأتونه من أعمال السرقة والنهب والفاحشة وإدمان الخمر ولعب الميسر، فانتهوا عنها، والتزموا الصدق والعدل في أقوالكم، وصلوا الأرحام، وأدوا الأمانة، ولا تقتلوا نفسا إلا بالحق، وأحسنوا الجوار، وكفوا عن الفواحش وقول الزور، ولا تسلبوا الناس أموالهم، ولا تأخذوا شيئا ولا تعطوه إلا بالحق، وكلكم بشر والبشر كلهم سواء، إنه ما جاء أحد منكم بوصمة الذل، ولا غيره بوسام الشرف، فليس الشرف والفضيلة بالنسب ولا باللون والملبس ولا بالجاه والثروة، وإنما هما بالتقوى والصلاح والخير. فمن كان منكم صالحا يتقي الله وينهى نفسه عن السوء فهو الشريف الكامل في إنسانيته، ومن لم يكن كذلك فلا شرف ولا فضيلة، وهو من الخاسرين في الآخرة، وإنكم مرجعون بعد موتكم إلى الله ربكم ومسؤولون عن كل دقيق وجليل من أعمالكم في محكمته، دون أن تنفعكم فيها شفاعة أو رشوة أو علو نسب أو شرف منزلة، وإنما ينفعكم فيها إيمانكم وأعمالكم الصالحة. فمن كان منكم مؤمنا قد عمل الصالحات دخل الجنة، ومن كان فاسقا لا يتقي الله خسر خسرانا مبينا وعذب بعذاب النار.

تلك هي الرسالة التي خرج بها من الغار.

ولكن ما بال قومه ناصبوه العداء وبدأوا يؤذونه ويسبونه ويغمزونه بأقبح الكلمات ويرمونه بالحجارة وينزلون به ما قدروا عليه من أنواع الشدائد والآلام، حتى اضطروه بعد ثلاث عشرة سنة إلى الهجرة من وطنه، بل لم يشفوا غليل نفوسهم حتى بعد ذلك، وما فتئوا يعملون على إيذائه وإزعاجه في المدينة التي التجأ إليها، وحرضوا عليه الحرب جميعا، وجاذبوه حبل الحرب ثماني سنوات متتابعة، أما هو فقد تحمل منهم كل هذه الآلام والشدائد، ولكن أبى إلا الاستقرار في دعوته إلى الحق. لماذا ناصبه قومه العداء ... ؟ ألانه كان يطالبهم بشيء من متاع الحياة الدنيا أو يريد أن يأخذ منهم ثأرا؟ كلا، بل المنشأ لهذا العداء منهم أنه كان يدعوهم إلى عبادة الله الواحد الأحد، والتزام الصدق والأمانة والتقوى في حياتهم، واجتناب الشرك وعبادة الأوثان والأصنام وأعمال السوء، ويتهدد دعائم زعامة الكهنة وسدنة البيت منهم بالهدم، ويسفه أحلامهم، ويمحو الفرق القائم فيهم بين الرفيع والوضيع، ويعد من الجاهلية عصبياتهم القبلية والنسلية، ويعمل على تبديل الأسس التي كان يجري عليها نظامهم للاجتماع منذ قديم الزمن. فكانت دعوى القوم أن كل ما يأتي به من مثل هذه الأقوال والأعمال مخالف لتقاليدهم القومية، وطرقهم المتوارثة كابرا عن كابر، فليتركه، وإلا فإنهم سيضيقون عليه الخناق وينغصون عليه الحياة.

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ........................ ص 18

- تابع الصفحة 16 -

فما لهذا العبد الصالح يتحمل من قومه كل هذه الشدائد والمناوآت والمصائب دون أن يتطرق إلى قلبه شيء من الوهن أو الفزع والجزع؟ وهاهم أولاء قومه يعرضون عليه أن يملكوه على أنفسهم أو يجمعوا له الأموال حتى يكون أكثرهم ثراء على أن يقلع عما هو عليه من الدعوة إلى ربه، ولكنه يرفض كل ذلك رفضا باتا، ويأبى إلا الاستقرار في دعوته، لماذا؟ ... هل يرجو لنفسه فيما إن أصبحوا يعبدون الله ويلتزمون الصدق والأمانة والتقوى فائدة مالية؟ ... فائدة لم تكن بإزائها الرئاسة والإمارة والثراء والوجاهة والرفاهية شيئا يلفت إليه؟ ... فائدة قد صبر في سبيلها على ما ترتعد لهوله الفرائص من المكاره والشدائد في الجسد والروح لأحد وعشرين سنة متتابعة؟ .. ما كان يتحمل هذه الشدائد والآلام في سبيل نفسه، ولكن لصالح غيره من عباد الله على حين أنهم يرمونه بالحجارة ويهينونه ويسبونه ويخرجونه من وطنه ولا يتركونه حتى في الغربة يعيش عيشة الأمن والسلامة ... وكان لا يدعو لهم إلا بالخير، ولا يضمر لهم إلا الود والإخلاص والنصح.

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١٢١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١٢١