تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

دعوة الحق، س.1، ع4و5 /نونبر 1957 ........................ ص 14

الثبوت العقلي للرسالة المحمدية

للعلامة السيد أبي الأعلى المودودي

أمير الجماعة الإسلامية بالباكستان

أغمض عيني جسدك قليلا، وارجع بعيني فكرك إلى ما قبل أربعة عشر قرنا من تاريخ هذه المعمورة ... كيف كانت تلك الدنيا؟ ما أقل الوسائل فيها لتبادل الأفكار ين الإنسان والإنسان! وما أضعف أسباب الاتصال بين الشعوب والأقطار! وما أضأل معلومات الإنسان وأضيق أفكاره، وأغلب الأوهام والوساوس والوحشية عليه! وما أضعف نور العلم حتى كان لا ينتشر فيها ويقشع دياجير جهلها إلا بجهد جهيد، وبطء لا يكاد يشعر به؟ ما كان فيها برق ولا هاتف ولا إذاعة ولا سيارة ولا قطار ولا طائرة ولا مطبعة ولا دار للنشر، ولا كثرة للمدارس والكليات، ولا كانت تنشر فيها الجرائد والمجلات ويكثر فيها تأليف الكتب وتوزيعها. فكان واحد من كبار علماء الأيام وأشرفها أقل تهذيبا من واحد من الأجراء المرتزقين في هذه الأيام. وكان من يعد من أكثر الناس تنورا في ذلك الزمان أكثر في الظلمة والتخلف من أجهل الناس في هذا الزمان. والأمور التي تلوكها ألسنة الصبيان في هذا الزمان قلما كان الناس يعرفونها في ذلك الزمان ولو بعد بذلهم الجهود المضنية المتتابعة إلى سنوات طوال في البحث والتنقيب، والمعلومات التي هي أبلج من ضوء النهار ويسقط عليها كل صغير مع بداءة سن شعوره في هذا الزمان كان يقطع لها الناس في ذلك الزمان مسافات بعيدة ويفنون في التعرف عليها أعمارهم، والأمور التي تعد اليوم من الأوهام الخيالية والخرافات الواهية كانت بمثابة الحقائق لا يتطرق إليها الشك في ذلك الزمان. والأعمال والأفعال التي تعافها اليوم الطبائع وتوصف بالوحشية وقلة الأدب، كانت من عادات الناس ومألوفاتهم في ذلك الزمان. والطرق التي يربأ عنها ضمير الإنسان في هذا الزمان ما كانت في ذلك الزمان مشروعة فحسب، بل لم يكن يخطر ببال أحد إمكان أن يوجد طريق غيرها. وقد كان الإنسان بلغ في عبوديته للغرائب مبلغا جعله لا يعتقد الصدق أو العظمة أو القداسة في شيء ما لم يكن فوق الفطرة خارقا للعادة، ويرى نفسه من الذل والهوان بمكان يعجز فيه أن يتصل بالله ربه أو يكون أحد المتصلين به من بني جنسه.

وقد كانت في مثل هذا العصر المظلم ناحية في الأرض كان للظلمة استيلاء تام عليها وإحاطة بكل نواحيها، تلك هي بلاد العرب التي كانت منعزلة عن الدنيا على وقوعها بين ممالك كانت على جانب عظيم من المدنية والحضارة حسب ما كان للمدنية والحضارة من مقياس في ذلك الزمان.

كانت في بلاد الروم والفرس ومصر بارقة من نور العلم والفنون والحضارة والآداب والتهذيب، ولكن الجبال المترامية الجوانب من الرمال عزلت عنها بلاد العرب. نعم، لقد كان تجار العرب يرحلون إلى هذه الممالك على ظهور جمالهم بعد أن يصرفوا في قطع الطريق إليها الأسابيع والشهور، ولكن لم تكن غاية رحلاتهم تعدو تبادل البضائع، فما كانوا يرجعون منها بقبس من نور العلم والحضارة، أما أرضهم، هم أنفسهم، فما كانت لهم فيها مدرسة ولا مكتبة ولا أثر للتعليم ولا رغبة في العلوم والفنون والآداب، وما كان يتجاوز من يعرف منهم القراءة والكتابة عدد الأنامل، بل لم تكن معرفتهم بالقراءة والكتابة حيث تعينهم على الإلمام بعلوم ذلك الزمان وفنونه ومعارفه، وإن كان عندهم شيء يمتازون به عن غيرهم ويفوقونهم فيه فهو لسانهم الذي كان من أرفع الألسنة فصاحة، وصالحا ليعربوا له أدق ما يكون من الأفكار والخيالات، فكانوا لأجله على قسط موفور من الذوق الأدبي، ولكننا إذا سرحنا النظر -على ذلك- فيما بلغنا من آثارهم الأدبية والفكرية علمنا أن معلوماتهم كانت ضيقة محدودة جدا ولم يكن لهم أدنى نصيب من الحضارة والمدنية، وكانوا وكرا للأوهام والخرافات، وكانت للجهل والوحشية غلبة شديدة على عاداتهم وكانوا من أحط الناس درجة في ?

مجلة دعوة الحق · الصفحة ١١٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

مجلة دعوة الحقص ١١٩