تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهذا في مَنْ لم يبلغ المرتبة العالية في هذا الفن "أما من بلغَ مرتبة الرسوخِ والإفادةِ، وكان على جانب عظيم من العلم ـ كالدارقطني، وانتحل مما انتحل عن اجتهادٍ ونظرٍ فلا يُرتابُ في العناية بالأخذ عنه والتلقي منه".

ثمرة فعل الصيمري:

لقد نعتَ ابنُ كثير الإمامَ الصَيْمَري بأنَّه كان عارفاً بحقوقِ العلماءِ، ومن حقِ الدارقطني عليه أن لا يقطعه بل ينْصَحه ولذلك قال: ليتني لم أفعلْ!(17). إنه لم يَزدْ على تركِ مجلسه، فلم يتكلم فيه بل حفظ لسانه. وتُعَدُّ هذه في عصرنا منقبة للهَاجِرِ ليقابل من يعنِّف على مخالفه ويفسِّقه ويبدِّعه، وأين هذا المسلك الذي سلكه الصَيْمَري من مسلك زاهد الكوثري الحنفي الذي آذى العلماء الذين تكلموا في أبي يوسف أمثال البخاري والخطيب والعقيلي ونبز الأخير بأنه حشوي(18). فهذا يعتبر عقوقاً من الخَلَفِ بتركِ مسلك السلف!

ثم قال: "إيشٍ ضرَّ أبا الحسن انصرافي؟" لم يضرَّه شيئاً بل بقي إمامَ عصره. إن انجفال طلبة العلم عن علماء السُّنَّة والدعاة إليها بسبب اجتهاد أو خطأ يفوِّتُ عليهم ـ وا أسفا ـ علماً جماً، وخيراً كثيراً ﴿$ّمّا يٍضٌلٍَونّ إلاَّ أّنفٍسّهٍمً $ّمّا يّشًعٍرٍونّ﴾ [آل عمران: 69]. ولا يَبْعُدُ أن يكونَ ذلك عقوبةَ الظلم، وترك الإنصاف؛ وما ضرَّهم لو صححوا الخطأ واعتذروا له؟ ورحم الله ابن الوردي(19) حين قال:

والناسُ لم يصنِّفوا في العلمِ ما صنَّفوا إلا رجاءَ الأجرِ

لكنْ قديتُ جَسداً بلا حسدْ واللهُ عندَ قولِ كلِّ قائلِ

لكيْ يَصْيروا هَدَفاً للذمِّ والدَعَواتِ وجَميلِ الذكرِ

ولا يُضيعُ الله حقاً لأحدْ وذو الحجَا في نفسِه في شاغلِ

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...

الهوامش :

(1) أبو عبد الله الحسين بن علي الصيمري، أحد أئمة الحنفية كان صدوقاً وافر العقل عارفاً بحقوق العلماء. البداية والنهاية، 12/57، السير، 17/615.

(

من مجلة البيان · الصفحة ٥٩٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٥٩٦