قال قيسُ بن الربيع: "قدم علينا قتادة الكوفة فأردنا أن نأتيه فقيل: إنه يُبغِض علياً، ثم قيل: إنه أبعدُ الناس من هذا؛ فأخذْنا عن رجل عنه"(8).
كم فاتهم من الخير، وأي خسارة خسروا حين نزل سندهم فأخذوا العلم نازلاً بعد إمكان أخذه عالياً، وانظر إلى السند والإحالة تجدها عن مجهول "قيل: إنه يبغض علياً". وقيل: "إنه أبعد من هذا"، فأين تعاليم القرآن؟ (({يا أيُّها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأٍ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين)) [ الحجرات: 6].
التعصب وسوء الظن:
وتزداد زاوية الانفراج للتعصب أكثر حين يُولِّدُ ظنوناً سيئةً ألا "وإن الظن أكذب الحديث"(9) ويؤدي إلى تتبع العثرات، وترصُّد الزلات، ويبدأ الخلاف في فرعية صغيرة فيرقى إلى الاتهام في أصول الإسلام وقواعد الديانة. قال الذهبي: "قرأت بخط الموفَّقِ قال: سمعنا درسه ـ أي ابن عُصْرُون ـ مع أخي أبي عمر وانقطعنا. فسمعت أخي يقول: دخلت عليه بعدُ، فقال: لِمَ انقطعتم عني؟ قلت: إن ناساً يقولون: إنك أشعري. فقال: "والله ما أنا بأشعري"(10) هذا معنى الحكاية.
وهذه الصورة من التعصب تظهر في عصرنا في أكمل مبانيها، وفي أوضح معانيها؛ فمن تكلم بنصوصٍ في الحاكمية من وجوب الحكم بما أنزل الله، والتحذير من القوانين الوضعية، والأحكام الدولية، يُهْجَرُ أولاً ويعدُّ خارجياً ثانياً، كما أن مَن لم يرَ إقحامَ الأمةِ في ظلماتِ الخروج غير المنضبط بالضوابط الشرعية يعد مُرْجئاً جَهْمياً.
إن الظنَّ السيئَ، والاتهام بالبدعة، والتسرع في ذلك، رُوِّع بها شيوخ(11) وظلم بها علماء وهُجِرَ بها دعاةٌ لا يرون مسوِّغات ذلك، كما قال الأول: (وأرى العداوة لا أرى أسبابها) وكل ذلك بسبب أسانيد منقطعة (يقولون) ويرد ابن عصرون هذه الفرية مؤكداً كلامه بالقسم: (والله ما أنا بأشعري)، وكان حاله كحال القائل(12):
ولكني ظلمت فكدت أبكي من الظلم المبيَّن أو بكيت