تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ومن خلال تجاربه في معترك الحياة يرشد ـ رحمه الله ـ كل من أخذ على نفسه سياسة الناس وتربيتهم إلى ما سيتعرض له من تجارب تستوجب منه أن ينصب لنفسه ميزاناً يحكم به بالقسط ويزن الأعمال والأقوال بالحق، فلا ينبهر بظواهر الناس، ولا يأخذهم بالظنة أو الوهم.. وهذا مراده من قوله ـ رحمه الله ـ: (ينبغي للعاقل ألا يحكم بما يبدو إليه من استرحام الباكي المتظلّم وتشكّيه، وشدة تلوّيه وتقلّبه وبكائه) حتى قوله: (وهذا مكان ينبغي التثبت منه، ومغالبة ميل النفس جملة، ولا يميل المرء مع الصفة التي ذكرنا ولا عليها، ولكن يقصد الإنصاف لما يوجبها الحق على السواء).

يضيع من العمر قدر ما يضيع من الفرص:

ورديفُ التجارب في التكرار تتابعُ الفرص التي لا يمكن تعويضها، ولربما تفاوت حجم الفرصة وعظيم قدرها من زمن لآخر ومن مكان لآخر؛ غير أن الفرص جميعاً تشترك في كونها نادرة الوقوع، وثمينة الأثر إذا أحسن صاحبها الإفادة منها، وكثيراً ما أرشد ابن حزم ـ رحمه الله ـ إلى وجوب استغلال هذه الفرص والحذر من تضييعها، ويشير مراراً إلى كثرة الفرص التي تضيع على أولئك العظماء والقادة والدعاة، وهو يؤكد لك باليقين أن (لكل شيء فائدة) ينبغي عدم الذهول عنها، ويضرب مثلاً عجيباً يتعلق بنظرة المبدع والقائد لكل ما يحيط به، وكيف يمكنه تحويل الخسائر الظاهرة إلى فرص سانحة لا تُعوّض، يقول ـ رحمه الله ـ: (لكل شيء فائدة؛ ولقد انتفعتُ بمحك أهل الجهل منفعة عظيمة، وهي أنه توقّدَ طبْعي، واحتدمَ خاطري، وحمي فكري، وتهيّج نشاطي، فكان ذلك سبباً إلى تواليف عظيمة المنفعة، ولولا استثارتهم ساكني واقتداحهم كامني ما انبعثت تلك التواليف).

نفسك غالية... لا تبذلها إلا لله:

من مجلة البيان · الصفحة ٥٧٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٥٧٦