تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لأجل هذه الأمور ونحوها كان ابتعاد المسلم عن إخوانه وانقطاعه عنهم عقوبة من أعظم العقوبات، قال الشافعي: (ضياع العالم أن يكون بلا إخوان) (16). وهل كانت عقوبة الثلاثة الذين خُلّفُوا ـ رضي الله عنهم ـ إلا بقطع صلتهم عن إخوانهم وحجبهم عنهم؟ ولا عجب فإن المؤمن بلا إخوان كعضو بُتر من جسد؛ فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد شبه المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وجعل مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى(17).

شرائط الأخوة وضوابطها:

إن من ينشد تلك الفضائل والمقاصد من علاقة يقيمها هو وفق هواه كمن ينشد الماء في السراب؛ فإن ذلك مكسب كبير لا يتأتى إلا من علاقة خاصة تتوجها الحلل الآتية:

1- كونها خالصة لوجه الله ـ تعالى ـ، مجردة من المقاصد المادية؛ ففي الحديث أن رجلاً زار أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على مدرجته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟ قال: أريد أخاً لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة تربّها؟ قال: لا، غير أني أحببته في الله ـ عز وجل ـ. قال: فإني رسول الله إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه(18)، وإلى هذا المعنى تشير النصوص العامة في اشتراط الإخلاص في كل عمل، وبخاصة الواردة في المؤاخاة والمحبة.

2- اقترانها بالإيمان والتقوى: ((إنَّمَا المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ)) [الحجرات: 10]، وبيّن ـ عز وجل ـ تبدد العلاقات إلا ما كان عماده التقوى، فقال: ((الأَخِلاَّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إلاَّ المُتَّقِينَ)).[الزخرف: 67]

3- التزامها منهج الإسلام وتعاليمه: وإليه يلمح قوله -صلى الله عليه وسلم- في نعت الأخوة الموصلة إلى ظل الله ـ تعالى ـ: (ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه).

من مجلة البيان · الصفحة ٥٤١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٥٤١