فلو قام الإنسان برحلة عقلية مع الجنين في أطوار خلقه حتى يصير إنساناً سويّاً، وقام برحلة مماثلة مع الطعام خارج الجسم ثم داخل الجسم حتى يصير غائطاً وبولاً.. ما استطاع أن يحصي نعم الله عليه في هاتين الرحلتين اللتين يمر بالأولى مرّاً، أو يمر بالثانية آلاف المرات، فيكف إذا استعان بما قاله علم الأجنّة عن الرحلة الأولى وما قاله علم الفسيولوجيا عن الثانية؟، ومع كل نعمة احتمالات عقلية أخرى لِما كان سيحدث من أنواع الاختلالات والأعراض والإصابات لو لم تسر الأمور سيراً طبيعيّاً، فالنعم تعرف بما يقابلها من المحن، وكثيراً ما نجد في القرآن الكريم التذكير بالنعمة وبالاحتمالات العقلية المقابلة، كقوله (تعالى): ((أَفَرَأَيْتُمُ المَاءَ الَذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ المُزْنِ أَمْ نَحْنُ المُنزِلُونَ (69) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ)) [الواقعة: 68 70].
أي: لو نشاء جعلناه مالحاً، ولو تبخرت مياه البحر مرة واحدة بأملاحها لسقطت الأمطار مالحة، فأفسدت الحياة النباتية والحيوانية والإنسانية لكنها تتبخر دون أن تحمل معها الأملاح فتسقط ماءً عذباً.
شكر القلب وفتنة الشيطان: لا يمكن أن يسلك الإنسان طريق الشكر دون أن يعرض له الشيطان بفتنته، بل سيقعد له بكل وجه، ويأتيه من كل طريق، ليُغفل قلبه عن ذكر الله وشكره، قال (تعالى): ((ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ)) [الأعراف: 17].
فلا بد من كسب هذه الجولة والتصدي لهذه الفتنة ودفع وساوسه عن القلب، وهي شبهات تفسر النعمة بالباطل أو شهوات تصرف القلب عن الالتفات إلى النعمة عند الانتفاع بها، فإذا تحرر القلب من هذه الوسوسة فاللسان والجوارح تبع له، تصلح بصلاحه وتفسد بفساده.
الهوامش :
1) انظر: لسان العرب، مادة (ش ك ر).