تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

"كنت في زمن الصبا آخذ معي أرغفة يابسة ، فأخرج إلى طلب الحديث ، وأقعد على نهر عيسى في ضواحي بغداد ، فلا أقدر على أكلها إلا عند الماء ، فكلما أكلت لقمة شربت عليها ، وعين همتي لا ترى إلا تحصيل العلم ، وأثمر عندي ذلك من المعاملة ما لا يدرك بالعلم ، حتى إنني أذكر في زمان الصبوة ووقت الغلمة والعزبة: قدرتي على أشياء كانت النفس تتوق إليها توقان العطشان إلى الماء الزلال ، ولم يمنعني عنها إلا ما أثمر عندي من خوف الله (عز وجل) ، ولولا خطايا لا يخلو منها بشر... لقد أخاف على نفسي العجب، غير أنه (عز وجل) صانني وعلمني وأطلعني من أسرار العلم على معرفته وإيثار الخلوة به، حتى لو حضر معي معروف الكرخي وبشر الحافي لرأيتهما زحمة«.

وقد رباني (سبحانه) منذ كنت طفلاً ، فإن أبي مات وأنا لا أعقل به، والأم لم تلتفت إليّ، فركّز في طبعي حب العلم ، ومازال يوقعني على المهم فالمهم ، ويحملني إلى من يحملني على الأصوب حتى قوّم أمري...

ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف ، وأسلم على يدي أكثر من مئتين ، وكم سالت عين متجبر بوعظي لم تكن تسيل...«.

هذه نشأة عالم مسلم وكلها تصون وعفاف ، وعلم نافع وعمل صالح ، ومع ذلك: كثيراً ما يؤنب نفسه ، ويرى أنه لم يسلم بعد إسلاماً جيداً ، يقول رحمه الله (تعالى) (3):

من مجلة البيان · الصفحة ٢٠١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ٢٠١