تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإننا حين نستجلي موقفَ الإسلام من المال، وحين نستبينُ منزلةَ الغِنى والفقر فيه؛ فليس خوفاً على الأغنياء أن ينخلعوا من أموالهم ويتخفّفوا من ثرواتهم، ولا خشيةً على الفقراء أنْ يستمسكوا بغَرْزِ الفقرِ لا يبغون عنه حولاً؛ فما على الناس من خوفٍ في هذا الباب أبداً، وإنما الخوف عليهم من ضدِّه، ولكننا نستذكر ذلك لقصدين:

أمّا الأول: فهو تبرئة الإسلام مما أُلصق به، أو ظُنَّ أنه من شِرعته من المزاعم الباطلة، ومن ضروب ذلك: توهُّمُ النُّفرة بين طلب المال والسعي للآخرة، وتوهُّمُ التناقضِ بين الغنى والزهد، وظنُّ التلازم بين الثراء والفجور.

وكم يلد الجهلُ للإسلام من تُهمةٍ تتدثَّر بدثاره وتلبس لَبُوسَه وهو منها براء! والجهل بأحكام الشريعة والفهمُ المغلوطُ لحِكَمِها يُري صاحبَه أنَّ كلَّ مشهدٍ في واقع المسلمين هو ظلٌّ لشريعة الإسلام يُحسَبُ عليها، حتى أصبحتْ صورتُه باهتةً شائهةً مُرقَّعة.

وأمَّا القصدُ الثاني: فهو رسالةٌ إلى كلِّ غنيٍ متعفِّفٍ طاهرِ اليد لم يكتسب مالَه إلا من حِلِّه، رسالةٌ نُشعِره فيها وبها عظيمَ نعمةِ الله عليه؛ فقد فضّلَه وبَوّأَه منزلةً حُرِمَها كثيرون، فعليه أنْ يَستتمَّ هذه النعمةَ بالشكر، ولا ينبغي له ـ وهو في غمرة النعيم ورغدِ العيش ـ أنْ ينساها أو يتغافلَ عنها، وإلاَّ فإنّ نسيانَها أجدرُ أن يستجرَّه إلى نكرانها، وإنْ تغافلَ عن شكرِها فذلك أوْلى به أن يزدريَها.

من مجلة البيان · الصفحة ١٧٣

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من مجلة البيانص ١٧٣