ثم أما بعد.
لقد خرج علينا الشيخ أبو بصير بوقفات على مقال شيخنا أبي قتادة "حبل الله كيف نفهمه"، وكان قد سبق هذه الوقفات خروج بعض الفتاوى والأقوال من الشيخ أبي بصير مصبها الطعن في تنظيم القاعدة بكل أفرعه حتى انتهى المطاف بفتوى مفادها عدم جواز الإنضمام لجبهة النصرة مع أنها رأس الحربة في كل الجبهات مع النظام النصيري ومن ورائه الرافضة، ومع ذلك من ينتقدها لا يريد أن يتحمل أو يقوم بما تتحمله الجبهة أو ما تقوم به، إذاً، هو الطعن لمجرد الطعن عداء للمنهج الذي تحمله ولو أُلبس لباس المصالح والمفاسد، حتى كان من الشيخ أبي بصير أن انتقد الدكتور سامي العريدي على بسمته متعجبا من كلام السفهاء الجهلة نسيان آلام أهل الشام، مع أن أبا بصير نفسه كان مبتسما وهو يتكلم في قناة الحوار عن الشام وثورته، بالله عليك يا شيخ أبا بصير هل أنت لم تبتسم قط منذ أن قامت ثورة الشام، فهذه نفسية عجيبة لا بعدم فهمها لكلام الناس وحسب، بل تدل على اعوجاج في استقامتها على العدل والإنصاف، ولا أريد أن اجعلها تصل إلى الحقد والحسد لرجل نفر وهاجر وترك علائق الدنيا وراءه. فكان من شيخنا العلامة أبي قتادة أن امتشق قلمه وحبر بعض ورقيات بعنوان "أقلوا عليهم ... " نصرة لأهل الجهاد الذين يقدمون دماءهم سخية لنصرة الإسلام والمسلمين تاركا وراءه الانتماءات التنظيمية أو الحزبية وهذا شأن شيخنا حفظه الله فلم يكن يوما منتميا لتنظيم أو جماعة لأنه ينتمي للإسلام بدعوته العريضة في مواجهة الكفر بعمومه، وهذا يجعل لزاما عليه حفظه الله أن يكون مناصرا لكل جماعات الجهاد التي تحمل راية السنة وتحارب البدع ومناهج الضلال والتمييع والتنازلات، وحارب الغلو وأهله من بيشاور حتى الشام هدفه في ذلك إخراج جيل يحمل راية نقية من لوثة الغلو والإرجاء والتمييع تنصر الله ورسوله وتُحكم الشريعة وتُعيد الخلافة على منهاج النبوة. وأنا هنا لست محاميا عن جبهة النصرة أو تنظيم القاعدة بل لا أنتمي لأي جماعة. ولكني هنا كي أرد على المغالطات الغريبة العجيبة التي خرجت في وقفات الشيخ أبي بصير على مقال شيخنا حفظه الله " أقلو عليهم ... (2) حبل الله كيف نفهمه".
بادئ ذي بدء، فالمعلوم والمقرر عند العلماء وطلبة العلم عند ردهم على مخالف ما أن يفهموا كلام المردود عليه بالتفصيل والتدقيق في الألفاظ وفهم حقائقها ومعانيها ورد المطلق إلى المقيد والمجمل إلى المفصل والمتشابه إلى المحكم، أي أن يكون الراد يفهم كلام المردود عليه كي لا يلقى الخيبة بين أقرانه. وكذلك تكون نظرتهم للمادة المردود عليها ثاقبة وبعينين اثنتين لا عين واحدة كليلة، لأن النظر بعين كليلة نتيجته عدم فهم الكلام المردود عليه فيضطر الراد إلى الاجتزاء ويعيد ما قاله المردود عليه لأنه موجود في ثنايا كلامه، لكن العين الكليلة سطحية ساذجة لا تقرأ ما بين السطور ولا إلى ما تحملها الألفاظ من معان. وكما قيل لمن لم يفهم أمرا ما، أن دع عنك الجهل وعليك بالعلم، وما لا تفهمه من كلام الناس لا ترده بل اطلب فهمه من صاحبه أو من غيره.
وللأسف أن كل ما سبق قد وقع به الشيخ أبو بصير في رده على مقال " أقلوا عليهم ... حبل الله كيف نفهم"، بل وقرر الشيخ أبو بصير طريقته المعهودة في ردوده على المخالفين وهي، النظر إلى المعاني البعيدة في الفهم بعين المتربص تنبيها على الكلام ويبني عليها مقدمات ونتائج بعيدة عن المعاني الحقيقية التي أرادها الكاتب، وهذا كان شأن الشيخ أبي بصير مع رده على الشيخ أبي محمد المقدسي، وقد مارس الشيخ أبو بصير هذه الطريقة في رده على مقال شيخنا حفظه الله، ومن تتبع وقفات الشيخ أبي بصير لن يجده قد خرج عن هذه الطريقة. لكن طريقة التربص والتصيد هذه ظهرت جلية في رد الشيخ أبي بصير على مقال شيخنا بسبب مخرج المقال الأصولي وعدم فهمه لكلام شيخنا لأنه لا يقرأ كتب أصول الفقه ولا يطلع عليها، فلم يستوعب المقال ولم يبحث في ألفاظه، فظهرت المغالطات وظهر عدم المعرفة بمعاني الألفاظ وحقائقها وظهر ضيق الأفق. وكذلك كل ما قرره الشيخ أبو بصير في وقفاته قد تضمنه مقال شيخنا حفظه الله وهذا يظهر لمن استوعب المقال ونظر إليه بإنصاف.
والآن انتقل إلى وقفات الشيخ أبي بصير وكشف المغالطات فيها:
الوفقة الأولى: المصلحة العاجلة
قال شيخنا حفظه الله: "ولذلك واجب على من أتى إلى هذا العمل الجليل ــ أي الوحدة والاعتصام ــ أن يأتي إليه لأنه أمر الله تعالى، لا لأن فيه مصلحته العاجلة". انتهى
قال الشيخ أبو بصير: " بل يأتي به للأمرين معاً؛ لأن الله تعالى قد أمر به، ولأن في تنفيذه لأمر الله تعالى مصلحته العاجلة والآجلة .. لا تعارض بينهما .. فالله تعالى لا يأمر بشيء إلا ما كان فيه مصلحة البلاد والعباد، العاجلة منها والآجلة .. فحيثما توجد المصلحة، والمصلحة الراجحة، فثمَّ أمر الله، وثم شرعه سبحانه وتعالى، وحيثما يوجد الضرر، وتوجد المفسدة .. والمشقَّة والشقاء .. فثمَّ أمر وشرع الهوى، والطاغوت .. والله تعالى لا يحب الفساد، ولا المفسدين. قال تعالى: [وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ] البقرة:179. فالقصاص من شرع الله تعالى، ننفذه طاعة لله لأن الله تعالى أمرنا به، ولأن فيه حياة آمنة راشدة وسعيدة، وفيه مصلحة راجحة للبلاد والعباد .. لا تعارض بين الأمرين. وقال تعالى: [وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاء غَدَقاً] الجن:16. وقال تعالى: [وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ] هود:52. وقال تعالى: [فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَاراً] نوح:10 - 12. فالله تعالى يرغّب عبادة بدينه وعبادته وتوحيده؛ لأن في ذلك قوتهم، ومصلحتهم، وسعادتهم في الدنيا والآخرة .. ومثل هذا في القرآن الكريم كثير". انتهى كلام الشيخ أبي بصير.
الشيخ أبو بصير هنا ذهب إلى النظر في المعاني البعيدة في كلام شيخنا حفظه الله، ولا أعلم هل تقصد ذلك أو لم يفهم كلام شيخنا ولم يحسن البحث فيما تشمله المصلحة العاجلة من المقصود أصالة والمقصود تبعا.
أقول وبالله التوفيق: الشيخ أبو بصير نظر إلى هذه الجملة بعين واحدة كليلة ففهم أن الشيخ يلغي المصلحة العاجلة المتحصلة من امتثال أمر الله سبحانه، وهذا غير صحيح البتة، بل شيخنا حفظه الله قصد بالمصلحة العاجلة أي النية القبيحة التي تقررت في الشرع، فقد يسبق الشخص لمصلحة عاجلة بنية قبيحة، كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال:" الأعمالُ بالنيةِ، ولكلِّ امرئٍ ما نوى، فمَن كانتْ هجرتُه إلى اللهِ ورسولِه فهجرتُه إلى اللهِ ورسولِه، ومَن كانتْ هجرتُه لدنيا يُصيبُها أوِ امرأةٍ يتزوجُها، فهجرتُه إلى ما هاجَر إليه".
أليس يتضمن هذا الحديث المصلحة العاجلة التي حصلت بنية قبيحة كمن هاجر لدنيا يصيبها أو إمرأة يتزوجها، فهل نقر من كانت هذه نيته على مصلحته العاجلة هنا. وشيخنا حفظه الله قد نوه على النية في أمر الوحدة والأعتصام وذلك أن يأتي للوحدة على أنها أمر الله.
وكذلك أليس المصلحة العاجلة شاملة لمن يتخذ البعيد مقصدا وهو تبعي دون اعتبار القريب وهو أصلي، فلماذا التشنيع على من يريد المقصد البعيد الكلي هدفا دون اعتبار القريب مع أنه قائم به.
وكذلك الذي يقابل المصلحة العالجلة هو المصلحة الآجلة، والله سبحانه يحب الآجلة دون العاجلة، قال تعالى: " كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ ﴿القيامة: (20)﴾ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ ﴿القيامة: (21)﴾ "، فدل هذا على أن الآجلة محببة على العاجلة لما يكتنفها مفاسد أرجح من مصلحة العاجلة، وما كان هذا حاله فهو متروك للأفضل وهو المصلحة الآجلة لا مأمور به.
الوقفة الثانية: عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة او دولة إسلامية
قال شيخنا حفظه الله: "وما حصل من عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة والحكومة الإسلامية في هذه المواطن ــ أي المواطن التي حصل فيها جهاد في زماننا المعاصر ــ ليس بسبب العمل لها خارج سُنّتها الظرفية بل لأن سُنّتها الظرفية لم تحضر لها، وفرقٌ بين الأمرين لمن تأمّله، وذلك حين يأتي أحدهم ليزعم أن الدعوة لإقامة الشرع والخلافة معوق لإزالة «الباطل الجزئي»، يكون هو المعوق حقاً، وهو الجاهل بدين الله تعالى ..
فإن قيل لِمَ لَم يحصل هذا المقصد الكلي، قلت: لغياب الظرف السُنَني لهذا الفعل، ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض، وبهذا يتضحُّ الفرق في هذا الباب بين من يريد استغلال الدين لمقاصد دنيوية، وبين من يتعامل مع الدين بحسب مقاصد الشرع كما أرادها سبحانه وتعالى من عبيده ". انتهى
قال الشيخ أبو بصير: " قلت: يقرر الشيء وضده معاً؛ مرة يقول: عدم الوصول للمقاصد الكلية من إقامة الخلافة ليس بسبب العمل لها خارج سنتها الظرفية .. ومرة يقول: لم يحصل المقصد الكلي ــ أي الخلافة ــ لغياب الظرف السنني لهذا الفعل، وغياب سنته الملائمة .. ؟!
ثم كيف يعمل لها ويكثر من الدندنة حولها مع غياب الظرف السنني لهذا الفعل، وغياب السنن الملائمة لها ... ؟!
ليس بمثل هذه الفلسفة والغموض، والتشابه في تركيب الألفاظ المبهمة حمالة الأوجه والمعاني، تقرر وتُبحث المسائل الكلية العامة .. !
قال:"أي الشيخ أبا قتادة" "ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض"ا- هـ.
قلت: لا أحد يترك الدعوة إلى الخلافة، ولا إلى أي أمر من الأمور المعلوم من الدين بالضرورة .. بل ونبشر بما بشر به النبي صلى الله عليه وسلم من نصر وتمدد لهذا الدين، حتى لا يبقى بيت مدر، ولا وبر إلا ودخله، كما جاء في الحديث .. والكل يحب أن تكون للمسلمين خلافة ودولة جامعة .. فهذا أمر لا خلاف عليه ولا ينازع فيه مسلم .. ولكن الذي يوصي به النقل والعقل .. أن تُؤتَى البيوت من أبوابها الشرعية الصحيحة .. وأن تُذكَر المسائل وتبحث في زمانها ومكانها المناسبين .. وأن نحدث الناس بما يعرفون؛ حتى لا يُكذّب الله ورسوله .. وأن لا نستعجل الأشياء قبل أوانها، فنعاقَب بحرمانها! "، أنتهى
أقول: الشيخ أبو بصير لعدم تفريقه بين الأمر الشرعي والقدري لم يفهم الكلام في التفريق بين عدم النصر لعدم وجود الظرف السنني وحضور الظرف السنني، فالذي يعمل خارج السنة القدرية ليس عاصيا شرعيا كمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا في وقت يكون انتصاره النهائي وتحقيق المقصد الكلي مستبعد وإنما يقوم به على أنه وسيلة لتحصيل هذه السنن الظرفية، وهذا حين يفشل في تحقيق المقصد الكلي لم يفشل لأن طالب بتحكيم الشريعة، بل فشل لعدم حصول السنن الملائمة للنصر. فأين قرر شيخنا الشيء وضده، بل شيخنا يقرر هنا أن المجاهدين لو وجد الظرف السنني لعملوا داخل هذا الظرف، ولكن بما أن الظرف السنني ليس موجودا فهو سبب لفشل، وهذا رد من شيخنا على من يتهم المجاهدين أنهم فشلوا في عدم تحقيق المقصد الكلي بسبب عدم عملهم داخل السنن القدرية الظرفية، وليس بسبب دعوة المجاهدين لتحكيم الشريعة من البداية. فما قرره شيخنا هنا هو رد منه على من يقول بأن دعوة المجاهدين الآن لتحكيم الشريعة مفسد لمقاصد الجهاد. فأين التعارض في كلام شيخنا حتى يأتي الشيخ أبو بصير بالحوادث الماضية، فما ذنب شيخنا إن جهل كلامه عمرو أو زيد من الناس، فكلام شيخنا واضح لمن أمعن النظر ودقق فيه بعين ثاقبة.
وأما زعم الشيخ أبي بصير أنه لا أحد يترك الدعوة إلى الخلافة، فهذا زعم غير صحيح يثبت عكسه ما نراه من دعوات الائتلاف وقادة الجيش والأركان والمجالس العسكرية وما صدر من بيانات من فصائل في جنوب سوريا، كلها دعوات تدعو لإقامة دولة مدنية ديمقراطية علمانية. وسأنقل من البيان الأخير الذي نشر على الصفحة الرسمية للمكتب الإعلامي لقوى الثورة تحت عنوان " الجيش الحر - الجبهة الجنوبية: المرحلة الانتقالية". ومما جاء في البيان: " وسيتم الشروع في تأسيس حكم وطني جديد يقوم على احترام كرامة الإنسان .. " و "حماية جميع المواطنين السوريين وممتلكاتهم دون تمييز في الدين أو العرق أو الثقافة أو الانتماء السياسي، ووفقا للقانون الدولي الإنساني وللمعايير الدولية لحقوق الإنسان. الحفاظ على مؤسسات الدولة ومنها العسكرية ... " وجاء فيه " إعلان وقف كافة العمليات العسكرية والطلب من المقاتلين الأجانب مغادرة البلاد خلال فترة زمنية محددة " ومن كان مطلوبا لطاغوت بلاده والكفر العالمي، ما مصيره القتل أو السجن!!! ""، وكذلك جاء فيه "وسوف تعلن للموظفين الحكوميين، بما في ذلك السلطة القضائية بأن عملهم سيكون مضموناً ضمن إطار القانون العام .... ، سيتم تعطيل الدستور الحالي فوراً واستبداله بالدستور الأصلي لعام 1950 كدستور مؤقت إلى حين صياغة دستور دائم للبلاد والمصادقة عليه من خلال استفتاء شعبي" وجاء فيه " تعيين مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة" وجاء فيه " انتخابات عامة لاختيار سلطة تشريعية".
السؤال للشيخ أبي بصير بعد ما جاء في هذا البيان الصادر عن الجبهة الجنوبية للجيش الحر، هل هؤلاء يدعون لإقامة الخلافة أو حتى يريدون تحكيم الشريعة؟؟؟؟
وهل ما يوصي به العقل والنقل أن تأتي إقامة الخلافة من خلال مبعوث خاص للأمين العام للأمم المتحدة؟؟؟
وهل أبواب إقامة الخلافة من خلال انتخابات مجالس تشريعية ونيابية وتأسيس حكم وطني؟؟؟؟
وهل العمل وفقا للقانون الدولي من أبواب إقامة الخلافة أو حتى تحكيم الشريعة؟؟؟
وهل العمل القضائي ضمن القانون العام الكفري من أبواب إقامة الخلافة أو تحكيم الشريعة؟؟؟؟
قال الشيخ أبو بصير: " إذاً ليست العبرة في كثرة الدندنة حول مسألة من المسائل .. وبمناسبة وبلا مناسبة .. واختبار الناس فيها .. والحكم على الناس من خلالها قبل وقوعها .. وإنما المهم أن يمهد لهذه المسائل زمانها ومكانها المناسبين قدر المستطاع .. ويمهد لها بأسبابها الشرعية الصحيحة .. من غير ضجيج، ولا تزعير، وضرب للطبول .. حينئذٍ وحسب .. تُرجى الفائدة من طرح هذه المسائل .. ويُسعى لها سعيها، والناس يُصغون ويستفيدون".
أقول: فهل ما نقلته من بيان الجبهة الجنوبية يعتبر من أسباب إقامة الخلافة الصحيحة الشرعية؟ وهل الحكم عليهم من خلال هذا البيان يكون من قبيل الحكم على الناس قبل وقوعها أو أنهم صرحوا بما يريدون وهذا كاف للحكم عليهم؟؟؟. بل طرح المسائل يكون من البداية كي يكون الجهاد شرعيا مسبوقا بالنية الشرعية الحسنة أن هذا القتال لتكون كلمة الله هي العليا والمقصد لا يقل عن الحد الأدنى وهو أن يكون الحكم كله لله.
قال شيخنا حفظه الله: "ففرقٌ إذاً بين عدم حصوله ــ أي حصول الخلافة ــ لغياب سُنّته الملائمة له وبين ترك الدعوة إليه في الابتداء كما يريد البعض، وبهذا يتضحُّ الفرق في هذا الباب بين من يريد استغلال الدين لمقاصد دنيوية، وبين من يتعامل مع الدين بحسب مقاصد الشرع كما أرادها سبحانه وتعالى من عبيده "ا- هـ.
قال الشيخ أبو بصير: " هكذا يرتب النتائج، ويحكم على المسلمين، وعلى دينهم .. فأنت مجرد كونك لم تبتدئ عملك ودعوتك، وجهادك بالدعوة إلى الخلافة .. وتحت أي ظرف .. قد يكون لانعدام الاستطاعة .. أو للاستضعاف .. أو تراها خطوة مستعجلة لم تستوفي سننها، وظروفها بعد .. أو لأي سبب شرعي آخر .. فأنت حكمك عند أبي قتادة مطعون في دينك وعدالتك، وممن يريدون استغلال الدين لمقاصد دنيوية .. !! ". انتهى
أقول: مرة أخرى فهم الشيخ أبي بصير يخونه ولم يفهم كلام شيخنا على الوجه الصحيح، فشيخنا لم يحكم على من لم يبتدئ عمله ودعوته وجهاده بالدعوة إلى الخلافة لسبب شرعي كالاستضعاف أو الاستعجال ... قط، بل هذا مقرر في كلام شيخنا سابقا بمقالاته، لكن شيخنا هنا يحكم على من لا يريد أن يتنبى حتى تحكيم الشريعة أو يتهم من يدعو لإقامة الخلافة أنه يفسد مقاصد الجهاد، والفرق واضح لمن فقه، وقد تقدم بيان نوايا الجيش الحر والائتلاف أنه ليس في نيتهم أو مشروعهم تحكيم الشريعة أو حتى التفكير بإقامة الخلافة، فهل يستوي من لا يصرح بإقامة الخلافة لأسباب شرعية وهو على المنهج الإسلامي ويعمل لتحصيل الحد الأدنى أن يكون الحكم كله لله، ومن يدعو للديمقراطية والانتخابات التشريعة وتأسيس حكم وطني قومي؟؟؟؟ سبحانك ربي إن هذا ظلم وبهتان. وهل الحكم يكون إلا على الأقوال والأفعال؟؟؟؟
فقد تبين مما سبق أن زعم الشيخ أبي بصير أنه لا أحد إلا ويدعو للخلافة فقد ثبت بطلانه وأنه زعم غير صحيح ينقضه ما نقلته من بيان الجبهة الجنوبية وكذلك استعداد الكثير من التنظيمات والفصائل المقاتلة على قتال من يريد تحكيم الشريعة كما حال جبهة ثوار سوريا وحركة حزم والجبهة الجنوبية، وقد ثبت يقينا أن هناك من وقع في غرف المخابرات بالأردن على قتال الجماعات الجهادية التي تريد تحكيم الشريعة. ونفي وجود فصائل علمانية وقومية لا تريد تحكيم الشريعة ولو في أضيق الحدود يعد جهلا بواقع الجهاد في الشام.
الوفقة الثالثة: عدم جواز الوحدة مع الجماعات التي ترفع شعار المقاصد الجزئية
قال شيخنا حفظه الله: "ولذلك لا يجوز الوحدة قط مع رافعي شعار الدين مع «المقاصد الجزئية» ... ثم تقع هذه الجماعات في الكفر الأكبر والردّة وهي تعلن أن قتالها ليس من أجل الشريعة ولا إقامة حكم الله في الأرض، وهذه بإجماع أهل الإسلام ردّةٌ عن دين الله لا يشك فيها طالب علم. هذه جماعاتٌ ليست إسلامية وإن تزيّنت باسم الإسلام، وبالتالي لا يجوز الوحدة معها ولا الالتقاء في سبيلها .. " انتهى.
قل الشيخ أبو بصير:" يبني على خطئه السابق، والنتيجة الخاطئة السابقة، نتائج خاطئة أخرى، لا تقل خطورة عن سابقتها.
منها: أنه يوجه خطابه هذا للفصيل الذي يواليه من مجموع الفصائل المجاهدة المتواجدة في الشام، وهو فصيل القاعدة .. يخاطبه بأنه لا يجوز له أن يتحد مع بقية الفصائل المجاهدة المتواجدة في الشام ضد الطاغوت النصيري المجرم؛ لأنها جماعات مشكوك في دينها وعدالتها، وهم ممن يجاهدون دون مقاصد جزئية .. وفي هذا التوجيه من الإغراء والفتنة والتحريش ما فيه بين الإخوان ممن هم في الميدان، وعلى الثغور يحملون السلاح!
بمثل هذا الفكر الاستعلائي، والتوجه المغالي في التكفير سطا خوارج داعش على حرمات ودماء، ومقرات مجاهدي الشام .. !
ومنها: يُقال له: هذه الجماعات الشاميّة بجهادها دون المقاصد الجزئية .. مسلمة عاصية .. أم كافرة مرتدة؟
ولا بد له من أن يختار أحد القولين.
فإن قال: هي مسلمة عاصية .. يُقال له: يجوز بالنقل، والعقل، والإجماع الاتحاد مع الجماعات المسلمة العاصية من أجل دفع عدوان ذوي الكفر والإجرام والظلم المركب والمغلظ المتمثل في الطاغوت النصيري المجرم، ونظامه الفاسد الطائفي المستبد". انتهى
أقول: بنى الشيخ أبو بصير تقريره أن نتائج شيخنا خاطئة بسبب فهمه الخاطئ لكلام شيخنا، ومن بنى حكمه على تصور خاطئ فمؤكد أن يصل إلى فهم خاطئ للنتائج، فالحكم على الشيء فرع عن تصوره.
وأما قول أبي بصير: " أنه (أي شيخنا) يوجه خطابه هذا للفصيل الذي يواليه من مجموع الفصائل المجاهدة المتواجدة في الشام، وهو فصيل القاعدة"، فهذه طريقة الشيخ أبي بصير في الرد على الخصم، فهو يستخدم ما يعيشه الخصم من أجل ضربه. وما قوله أن شيخنا يناصر تنظيم القاعدة إلا دس رخيص، لأنه تحريض واضح ضده. فكلام شيخنا لم يأت قط على ذكر تنظيم القاعدة أو أي تنظيم آخر، بل كلامه من باب التقرير العلمي البحت، والذي يقول بهذا التأصيل جبهة النصرة والكثير من الجماعات. فما تخصيص الكلام بتنظيم القاعدة إلا محاولة لضرب الخصم وعدم القدرة على الرد لما يعيشه من ظروف صعبة.
وكذلك أين التحريش في تحقيق القول العلمي الشرعي في أمر الوحدة بين جماعات تختلف مشاربها وأهدافها، فهل من المسموح به شرعا التوحد مع جمال معروف وحركة حزم أو المجالس العسكرية، وهل جعل أساس الوحدة الاعتصام بحبل الله وتحكيم الشريعة يعتبر تحريشا بين الجماعات؟؟؟
فشيخنا لم يدعو لعدم التوحد مع الجماعات المجاهدة دون المقصد الجزئي إن تحقق فيها الحد الأدنى الشرعي وهو أن يكون الحكم كله لله، وشيخنا قد قال في كتابه مقاربة لنازلة العصر وجوب العمل مع كل مسلم يعمل ضمن دائرة الإسلام أي أن يكون هدفه تحكيم الشريعة ولو كان مبتدعا لأن المواجهة بين الإسلام والعلمانية، وشيخنا وضع قيدا لعدم التوحد مع الجماعات التي ترفع شعارات إسلامية وهي في الحقيقة تعمل خارج دائرة الإسلام لأنها لا تقاتل من أجل تحكيم الشريعة أو إقامة حكم الله في الأرض، فالقيد واضح جلي تحكيم الشريعة كحد أدنى للوحدة. وكذلك هل المقاصد الجزئية عند الشيخ أبي بصير فقط إسقاط الطاغوت أو لا بد أن تشتمل على تحكيم الشريعة، إن كانت الأولى فهل يستسيغ الشيخ أبو بصير الوحدة مع جمال معروف وأمثاله وأن تكون الكلمة العليا له ولمنهجه؟؟؟ وإن كانت الثانية فأين النتيجة الخاطئة في كلام شيخنا حفظه الله.
وأما سؤالك عن حكم الفصائل الشامية إن كانت كافرة أو مسلمة عاصية، فجوابه من كلامك أنت، ففضيلتك قلت: " من قاتل ضد تحكيم الشريعة، وضد أن يقام حكم الله في الأرض فهو كافر مرتد بإجماع أهل الإسلام"، مع أن هذا القول غير منضبط شرعا لكن سوف أستدل به، ألا يوجد فصائل في سوريا ينطبق عليها قولك هذا، وأعلنت أنها ستقاتل من يريد تحكيم الشريعة وأنها ضد أن يقام حكم إسلامي وتريد الديمقراطية!!!.
وهل الوحدة مع الجماعات العاصية تعني أن أكون تحت رايتها البدعية، أو هي من يكون تحت رايتي، وأن نتفق على الحد الأدنى، ألم تتوحد القاعدة مع طالبان وتنازلت عن سلفيتها لأن طالبان حققت الحد الأدنى من مقصد الجهاد وهو تحكيم الشريعة وأن يكون الحكم كله لله. فلتحقق هذه الجماعات البدعية العاصية الحد الأدنى ثم نناقش أمر الوحدة معها، وهذا ما أراده شيخنا حفظه الله بأن تكون الوحدة على الاعتصام بحبل الله وتحكيم الشريعة من حبل الله.
الوقفة الرابعة: القول بكفر من لم يقاتل من أجل الشريعة غلو
قال شيخنا حفظه الله: "ثم تقع هذه الجماعات في الكفر الأكبر والردّة وهي تعلن أن قتالها ليس من أجل الشريعة ولا إقامة حكم الله في الأرض، وهذه بإجماع أهل الإسلام ردّةٌ عن دين الله لا يشك فيها طالب علم. هذه جماعاتٌ ليست إسلامية وإن تزيّنت باسم الإسلام، وبالتالي لا يجوز الوحدة معها ولا الالتقاء في سبيلها .. " انتهى.
قل الشيخ أبو بصير: " وهذا غلو صريح في التكفير، يتكئ عليه خوارج وغلاة العصر .. وهو خطأ كبير لا ينبغي لمثله أن يقع فيه.
فقد تقدم أن جميع أنواع جهاد دفع العدو الصائل، لا يلزم من صاحبها أن يعلن أنه يُقاتل من أن أجل إقامة حكم الله في الأرض، وإنما من أجل رد العدوان، والظلم، والبغي عن نفسه، وأهله وإخوانه .. وأرضه .. فهذا واقعه، فلا ينبغي له أن يتشبع ويتظاهر بما ليس فيه .. وكذلك من يُقاتل دون ماله، وعرضه، ودمه، ومظلمته .. فهو يعلن أنه يُقاتل في سبيل الله دون حرماته، وحقوقه ومظالمه .. فهذا جهاد شرعي صحيح .. لا حرج على صاحبه كما تقدم بيانه .. فضلاً عن أن يُعتبر ردة عن دين الله بإجماع أهل الإسلام!
وأنا هنا أصحح عبارته، فأقول: لو قال من قاتل ضد تحكيم الشريعة، وضد أن يُقام حكم الله في الأرض .. هو كافر مرتد بإجماع أهل الإسلام .. لكان كلامه صحيحاً .. أما كلامه أعلاه فلن يجد من يوافقه عليه إلا خارجي جلف جلد، قد هان عليه الولوغ في دين ودماء المسلمين! ". انتهى
أقول: أين الغلو في مقالة شيخنا حفظه الله، فالفصل قول النبي عليه السلام: " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله"، والشاهد أن المرء قد يقاتل حمية وقومية دفاعا عن عرضه وأرضه، فالضابط هو أن يكون كل ذلك لتكون كلمة الله هي العليا وتكون في سبيل الله فقط، وقد ذكر هذا الضابط الشيخ أبو بصير نفسه فتناقض من حيث لا يدري، وهل أغفل الشيخ أبو بصير ذكر الرايات العمية تدليسا أو سهوا؟؟؟.
فالشيخ أبو بصير قيد من هو الكافر من المقاتلين بمن قاتل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا وتحكيم الشريعة. أي من قاتل من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو الكافر حصرا، وهذا يوافق قول الجهمية. لعل الشيخ أبا بصير يأتي غدا ويقول الكافر من قاتل الآخر لإسلامه. وقول أبي بصير هذا غير منضبط شرعا وخطؤه واضح لا يجهله طالب علم.
وأما لماذا قول الشيخ أبي بصير " من قاتل ضد تحكيم الشريعة، وضد أن يقام حكم الله في الأرض فهو كافر مرتد بإجماع أهل الإسلام" غير منضبط شرعا وناقص، لأنه حصر الردة بمن قاتل ضد تحكيم الشريعة أو إقامة حكم الله في الأرض، وماذا عن من يقاتل من أجل علمانيته أو شيوعيته أو قوميته ألا يعتبر كافرا؟؟؟
فأين الغلو في قول شيخنا بكفر من يقاتل من أجل علمانيته او ديمقراطيته .... !!!
فالشيخ أبو بصير من ناقض نفسه بما قاله وقرره وحكم به على حركة حماس عندما دخلت الانتخابات البرلمانية واعتبرها أنها دخلت نفقا مظلما، وأنها تخلت عن عقيدة الولاء والبراء لمجرد قبول محمود عباس رئيسا للسلطة، وسأنقل مقتطفات من مقاله " حماس .. والنفق المظلم" كي يظهر حجم التناقض بين ما قرره للساحة الفلسطينية وما قرره للساحة الشامية، وأظن أن النزعة القومية لعبت دوره وبدلت الآراء والأقوال.
قال الشيخ أبو بصير في مقاله " حماس والنفيق المظلم": " لو أن "حماس" خاضت تجربتها الانتخابية الديمقراطية في فلسطين على أنها تجربة شخصية، حزبية، وطنية، ولمآرب حزبية شخصية خاصة - شأنها شأن الأحزاب الأخرى - لهان الأمر، وخفَّ المصاب.
أما أن تخوض تجربتها الديمقراطية هذه باسم "الإسلام"، ومن ثم تزعم - أنها في جميع خطواتها وتحركاتها - تمثل الإسلام، وتلتزم بالإسلام، وبقواعده، ونصوصه وتعاليمه، وبالعمل من أجل غاياته وأهدافه؛ فهذا لا يُقبل منها ولا من غيرها ممن ينتهج نهجها، لما فيه من تلبيس على الناس، وتشويه لحقائق الأمور، وإساءة للإسلام ذاته، ولصفاء منهجه وعقيدته.
وهو الذي حملنا على أن نخط هذه الكلمات ناصحين ومشفقين لحماس وأفراد حماس، ولكل من صفَّق لها ولتجربتها وبُهر بها!
وفي اعتقادي أن حماس بتجربتها الانتخابية الديمقراطية الآنفة الذكر؛ قد دخلت نفقاً مظلماً مليئاً بالأشواك والجيف المتعفنة النتنة، وآثرت إلا أن تجلس مع نافِخي الكِير، لا يمكن لوالجه أن يسلم من الضرر والأذى والاحتراق، ولو خرج منه بعد شق الأنفس، فهو لا يمكن أن يخرج منه مُعافىً كما كان قبل أن يدخله!
وظلمة ونتانة هذا النفق تأتي من جهات عدة:
1 - تغييب العمل بعقيدة الولاء والبراء في الإسلام:
ويظهر ذلك في تمسكهم برئيسهم "أبو مازن"، والعمل تحت حكمه وفي ظله، وهم أنفسهم كانوا قبل أشهرٍ يصفونه بالبهائي والكافر، والعميل والفاسد وغير ذلك من عبارات الذم.
وكذلك حرصهم على العمل وتشكيل حكومة وطنية تضم منظمات يسارية شيوعية، لا يختلف اثنان على كفرها وخروجها على ثوابت الدين الإسلامي، طالما الشعب الفلسطيني المسلم عانى منها الويلات، ونشد الخلاص منها، ومن أزلامها!
الشعب المسلم الفلسطيني أثبت كفره بهذه المنظمات وزعمائها، من خلال رفضها وعدم التصويت لها، إلا أن حماس - وهي بغنى عن ذلك - تقول لهم؛ "هؤلاء شركاؤنا في العملية السياسية، لا يمكن أن نستغني عنهم، فلا بد من أن نتخذ منهم بطانة، ووزراء، وحكاماً، ونشكل معهم حكومة وطنية كما يحلو لهم أن يسموها"!
إضافة إلى مداهنتهم الصريحة الظاهرة لأنظمة طاغية كافرة فاسدة - تحت ذرائع سد النقص والعجز - عُرفت بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين - على رأس هذه الأنظمة الطاغية؛ النظام الرافضي الإيراني، والبعثي النصيري السوري - ولكل من هذه الأنظمة أجندتها التي تأبى أن تُعطي شيئاً من دون مقابل يدفعه الشعب الفلسطيني المسلم من دينه وعقيدته، وحريته، وكرامته، وثوابته؛ يكون أضعاف أضعاف ما قد تُعطي!
والله تعالى يقول: ﴿لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُوْلَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المجادلة: 22].
2 - تغييب مبدأ العمل بأحكام الشريعة، وأن الحكم لله تعالى وحده:
يظهر ذلك بجلاء ووضوح ابتداء من خلال إقرارهم ورضاهم بحاكمية الشعب، والتحاكم للأكثرية، وصناديق الاقتراع، وإقرارهم بأن حق التشريع والتحليل والتحريم خاص بأعضاء المجلس التشريعي من دون الله تعالى، وانتهاء بتصريحات عدد من قيادات حماس - والتي تناولتها العديد من وسائل الإعلام - بأنهم لن يحكموا بأحكام الشريعة، ولن يفرضوا قانوناً شرعياً بالقوة، مالم يرضاه الشعب الفلسطيني، علماً أنهم هم أنفسهم قبل أن يصلوا إلى ما وصلوا إليه رفعوا الشعار الذي طالما تستروا به؛ "الإسلام هو الحل" [1]!
والله تعالى يقول: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً﴾ [النساء: 65]، وقال تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: 59].
3 - تغييب العمل بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بما تسمح به قوانين اللعبة الديمقراطية، وبالقدر الذي تسمح به:
يظهر ذلك بوضح من خلال تصريحات عدد من قادة حماس؛ بأنهم لن يفرضوا الحجاب، ولن يمنعوا الخمور من الحانات، وأنهم لن يكرروا تجربة الطالبان، إلا بما تسمح به اللعبة الديمقراطية من خلال الإقناع والحوار!
والله تعالى يقول: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41]، بينما حماس تقول: "الله مكننا في الأرض، ومع ذلك لن نأمر بالمعروف، ولن ننهى عن المنكر"!
وقال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: 78 - 79].
فهم لعنوا لكونهم؛ كانوا ﴿لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾، وكانوا يتواطؤون على فعل المنكر، والمسلمون إن فعلوا فعلهم، فلا يتناهون عن منكر فعلوه؛ يُلعنون كما لُعن الذين كفروا من بني إسرائيل من قبل، فليس لهم كل مرة ولنا كل حلوة!
4 - تعطيل العمل بمبدأ الجهاد في سبيل الله رغم وجود دواعيه، ورغم استمرار الاحتلال، واستمرار الصهاينة اليهود بممارسة سياسة القتل والاغتيالات ضد المسلمين من أبناء فلسطين؛ وبخاصة من كوادر وأفراد جماعة الجهاد:
يظهر ذلك من خلال تجميد حماس لمطلق أعمالها العسكرية القتالية، ومن خلال تصريح قادتها عن استعدادهم لوقف المقاومة مطلقاً، والتحول إلى المقاومة السياسية - كما يحلو لهم أن يسمونها - وعقد صلح وهدنة مع الغزاة المحتلين لعشرين عاماً أو أكثر!
هذا المنهج الجديد لحماس؛ مغاير لمئات من النصوص الشرعية التي توجب على المسلمين الجهاد للدفاع عن الأرض والدين والعِرض، كما أنه مغاير لعشرات النصوص الشرعية التي توجب على المسلم بأن ينصر أخاه المسلم، وأن لا يخذله في مواطن الحاجة وحصول العدوان عليه من قبل الآخرين!
ونحن نقول لحماس ...
لا تستهوينكم مجالس الطواغيت الظالمين وطراوة كراسيهم، والركون إليهم بذريعة "العمل السياسي"، و "المقاومة السياسية"، فلا موطن ولا مجال للاسترخاء والعمل السياسي المكتبي مع وجود الاحتلال، وسيطرة الغزاة المحتلين على جميع مرافق الحياة على أرض الواقع!
أي حياة سياسية تمارسونها والصهاينة الغزاة، يتحكمون بالوارد إليكم، والصادر عنكم، وبحركتم، وبجميع منافذ الطرق؟!
لا مجال للعمل السياسي المكتبي والحال كما ذُكر، فالركون للعمل السياسي المكتبي في مثل هذه الظروف، مؤداه للفتور والخمول، وقتل روح الجهاد والمقاومة عند المسلمين وفي نفوس الأجيال القادمة، واعلموا أن المرء الذي يخلد للراحة والدعة والخمول دهراً يصعب استنهاضه للجهاد والتضحية من جديد.
وربما تكون هذه النتيجة المؤلمة - التي تكون بسبب من عند أنفسكم - هي من جملة مآرب الصهاينة الغزاة التي من أجلها تغاضوا عنكم لتصلوا إلى ما وصلتم إليه!
فيا أهل حماس ...
لا حكم بما أنزل الله، ولا ولاء ولا براء، ولا جهاد في سبيل الله، ولا أمر بالمعروف ولا نهي عن المنكر، ولا ممارسة سياسية حرة مستقلة كاملة.
فأي نفق مظلم هذا الذي سلكتموه، وأي نصر هذا الذي تفرحون به؟!
فإن قالوا: ما حملنا على ولوج هذا النفق المظلم سوى الرغبة في تحصيل المصالح للشعب الفلسطيني؟!
أقول: على افتراض وجود هذه المصالح، فتحصيل هذه المصالح لا تتحصل بتفويت مصالح أعظم منها!
لا ينبغي أن تتحصل على حساب العمل الجهادي، وحرية قراركم الجهادي العسكري بعيداً عن القيود والضغوطات التي كبلتم أنفسكم وقراركم بها!
إخوانكم في الجهاد يُذبحون أمام أعينكم، ومع ذلك لا تجرؤون - مراعاة لهذه القيود والضغوطات المستجدة - على أن تذودوا عنهم، ولا أن تُطلقوا طلقة واحدة نحو العدو دفاعاً عنهم وعن حرماتهم وأعراضهم!
فأي مصلحة هذه التي تتغنون وتتذرعون بها؟!
ونقول كذلك: هذه المصالح المزعومة، يمكن أن تحققوها للناس - من دون أن تسلكوا هذا النفق المظلم وتعرضوا أنفسكم وحركتكم وقراركم للضغوطات والقيود - من خلال سيطرتكم على الوظائف الخدماتية الممثلة في البلديات وغيرها، فهذا يكفي ويحقق الغرض في هذه المرحلة!
فإن قيل: كيف الموقف من حماس بعد أن دخلت هذا النفق المظلم، هل ندعها بمفردها ونتخلى عنها، ونكتفي بالتفرج عليها، أم نمد لها يد العون والغوث؟
وهذا سؤال وردني من أطراف عدة؛ لذا أجدني ملزماً بالجواب عنه.
فأقول: رغم معارضتنا للمنهج الذي سلكته حماس، والمآخذ الشرعية والسياسية التي تؤخذ عليها وعلى منهجها، إلا أن ذلك لا يمنع شرعاً من مد يد العون والغوث والمساعدة، وإسدال النصيحة والمشورة لهم.
وبخاصة في هذه الظروف العصيبة التي يمرون بها، فيما ليس فيه معصية لله تعالى ولا مخالفة شرعية، من قبيل تقليل الضرر ما أمكن، والعمل على نصرة المسلم لأخيه المسلم، وعدم خذلانه في مواطن الحاجة والضيق.
عملاً بقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [المائدة: 2].
وعملاً بقوله صلى الله عليه وسلم: (المسلم أخو المسلم لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يُسْلِمُه).
والله تعالى أعلم
5/ 2/1427 هـ
(1) على سبيل المثال لا الحصر، أنظر ماذا يقول عزيز دويك ممثل حماس، والرئيس الجديد للمجلس التشريعي الفلسطيني: (الحكومة الفلسطينية الجديدة تحت قيادة حماس لن تجبر الفلسطينيين على تبني مبادئ الشريعة الإسلامية في حياتهم اليومية، ولن تعمل على إغلاق دور العرض السينمائي، والمطاعم التي تقدم مشروبات روحية، لا أحد في حركة حماس لديه نية تطبيق الشريعة بالقوة، هذا أمر غير وارد في برنامجنا ولن نقدم على فعله، إن أي تغيير في التشريعات الفلسطينية المعمول بها في البرلمان السابق الذي كانت تهيمن عليه حركة فتح سيخضع لاستفتاء شعبي تجسيداً لمبادئ الديمقراطية التي فازت بموجبها حماس) اهـ[رام الله، رويترز].
ويقول الدكتور صلاح البردويل: (حماس لم ولن تفكر مطلقاً في سن أي قوانين يمكن أن يُفهم منها فرض تعاليم الدين الإسلامي بالإكراه على المجتمع) اهـ (جريدة الشرق الأوسط) ". انتهى
اضطررت لنقل المقال كاملا كي ينظر المنصف إلى ما أنكره الشيخ أبو بصير على حركة حماس من تغييب عقيدة الولاء والبراء والقبول بالديمقراطية وتغييب الأمر المعروف والنهي عن المنكر والقبول بمجالسة نافخي الكير وبالقبول بالعمل مع الفصائل العلمانية الكافرة والقبول بالانتخابات لإنشاء مجلس تشريعي يحتكر حق التحليل والتحريم.
أليس هذا يظهر تناقض الشيخ أبي بصير وأنه ما حرمه على حركة حماس يعمل به في بلده، إن لم تكن القومية فماذا إذاً، وإلا فليخرج بيانا يتراجع فيه عن هذا المقال ويعترف بظلمه لحماس لأنه يفهم من مقاله هذا تكفيره لحماس.
الوقفة الخامسة: أخذ الجماعات المقاتلة الدعم من الطواغيت والنظام العالمي
قال: شيخنا حفظه الله: "ويرتبط بهذا أمرٌ آخر؛ وهو قضية المعونات والتبرعات والمساعدات القادمة من هذا الدول، فهذه لارتباطها بالأولى يتحدد المقصود، وهو رفض هذا الأمر بتاتاً دون استثناءاتٍ البتّة .. وأمّا قول البعض:" معونات بلا شروط"، فهذا هذيانٌ وضحكٌ على الذقون كما يقولون، ولم يعد لمثل هذه الكلمات قيمةٌ واقعية، والاستهزاء بمثل هذه الأمور مع انطلائها على البعض يدل أن هذا البعض إمّا خبيثٌ يتغابى، وإمّا جاهلٌ جهلاً مركّبا لا يستحق إمامة جهاد ولا قيادة أُمَّة.
ولذلك يجب وضع شرطٍ واضحٍ في مثل هذه القضايا وهي كلمةٌ كبيرةٌ بيّنةٌ واضحة: لا، بلا استثناءات ولا شروط ...
وهذا القول إنما هو موجهٌ في الابتداء إلى جماعات الجهاد لا إلى الشعوب المنكوبة ولا أفرادها، فهؤلاء سبيلهم الحاجة، وتُقضى بالوجه الشرعي لمن يقضيها لهم، يؤخذ من كل أحد على وجه الجواز الاصلي كما هو معلوم ... ". انتهى
قال الشيخ أبو بصير: "عسّر يا معسّر .. شدّد يا مشدد .. ضيق على عباد الله، وشد عليهم الخناق أكثر فأكثر .. فبعد أن حرّم عليهم التوحد .. فها هو يحرم عليهم أن يتلقوا أو أن يقبلوا أي مساعدة من أي دولة من الدول .. قد تلتقي مصالحها مع مصالح مجاهدي وثوار الشام بإسقاط النظام النصيري المجرم.
يا لفرحة طاغوت الشام بتأصيلاتك .. وتعسيراتك .. فلو عمل مجاهدو الشام بتوجيهاتك، وتنظيراتك، لأسلمتهم للطاغوت النصيري لقمة سائغة منذ زمن!
ألم يستعن النبي صلى الله في هجرته من مكة إلى المدينة بمشرك .. وفي موقعة حنين بسلاح صفوان بن أمية وكان لا يزال على الكفر والشرك .. وكان صلى الله عليه وسلم يقبل هدايا وعطايا المشركين من غير شرط.
كما في الحديث الذي أخرجه البخاري، عن النعمان بن بشير، قال: "أَهْدَى ملكُ أَيْلَةَ للنبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ بغلةً بيضاءَ، وكساهُ بُرْدًا ".
قالت عائشة رضي الله عنها: "كان رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ يَقْبَلُ الهديَّةَ ويُثِيبُ عليها " البخاري.
وقال صلى الله عليه وسلم:" سَتُصالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أنْتُمْ وهُمْ عَدُوًّا من ورائِهِمْ، فَتَسْلَمُونَ وتَغْنَمُونَ" [صحيح الجامع:3612]. وفي رواية: "عدواً من ورائكم". وهذا يتضمن نوع تعاون واستعانة، وتنسيق .. وهو معنى لا يخفى على أحد.
ألا يوجد لهذه القواعد الفقهية المتفق عليها بين علماء الإسلام، متسعاً في قاموسك، وفقهك:" الضرورات تبيح المحظورات .. والمشقة تجلب التيسير .. وإذا ضاقت اتسعت"، أم من الخنوثة الفكرية .. والانبطاح .. والإرجاء .. العمل بمقتضاها؟!
ألم يقبل مجاهدو الأفغان زمن الشيخ عبد الله عزام المساعدات من كثير من الدول .. وعلى رأسهم دولة الباكستان .. ممن لهم خلافاتهم مع روسيا، ولهم مصالحهم في تقليص هيمنة الوجود السوفيتي في المنطقة .. ولم ينكر عليهم أحد!
أنت ذاتك ــ يا أبا قتادة ــ: ألم تقبل المساعدات من الحكومة البريطانية .. ولسنوات طوال .. ولما أرادوا تسفيرك لبلدك الأردن رفضت واعترضت، واستأنفت الحكم لدى المحكمة الأوربية .. حتى يحققوا لك مطالبك وشروطك، والتي منها أن لا تتعرض للتعذيب في الأردن .. وقد فعلوا، وحققوا لك مطلبك وشرطك!
وأنا هنا لا أنكر عليك .. ولكن أسألك ألا يحق لشعب محاصر، تكالبت عليه قوى الشر والظلم من جهاته الأربع، وحلَّت له الميتة منذ زمن بعيد .. بعض ما يحل لك؟!
حرم على المستضعفين المحرومين .. ما تحلله لنفسك .. وأنت، أنت؟!
ثم بعد ذلك تقول: "وهذا القول إنما هو موجهٌ في الابتداء إلى جماعات الجهاد لا إلى الشعوب المنكوبة ولا أفرادها، فهؤلاء سبيلهم الحاجة، وتُقضى بالوجه الشرعي لمن يقضيها لهم، يؤخذ من كل أحد على وجه الجواز الاصلي كما هو معلوم ... "ا- هـ.
فما الفرق بين جماعات الجهاد، وبين الشعوب المنكوبة .. إذا كانوا جميعاً في الحاجة والفاقة سواء .. لماذا حرام على المجاهد أن يقبل المساعدة، والمدني المنكوب حلال له .. أين الدليل الذي يحرم على الأول، ويُبيح للآخر .. علماً أن الشعوب المنكوبة قد تكون عرضة للابتزاز أكثر من المجاهدين؟!
ولو سلّمنا بقولك هذا .. لترك المجاهدون سلاحهم .. واصطفوا في طوابير الشعوب المنكوبة .. لتحل لهم المساعدات .. بعد أن كانت حرام عليهم بسبب جهادهم .. !! ". انتهى
أقول: لا بد من تقرير قاعدة عقلية منطقية يوافقها صريح العقل وصحيح النقل وهي: إن الدول تعطي الشعوب لحاجتها أو ما يصيبها من كوارث، ولكنها تعطي الجماعات والتنظيمات لشرائها وتنفيذ أجندتها وتمرير مصالحها. وأظن أن الفرق بين الحالتين واضح لكل ذي لب ولا يغفل عنه إلا جاهل أو من يريد أن يتحاذق ويتذاك ويظن أنه يخدع هذه الدول بأخذ الدعم منها بدون شروط!، وسأبين خطأ وبطلان هذا التحاذق ونتائجه الكارثية على الجهاد.
فالشيخ أبو بصير ناقض نفسه مرة أخرى وأحل للجماعات المقاتلة في سوريا ما حرمه من قبل على حركة حماس فعسر وشدد عليها وعلى الشعب الفلسطيني في الوقت الذي سهل وسوغ للجماعات المقاتلة السورية، قال الشيخ أبو بصير في مقاله " حماس ... والنفق المظلم": " إضافة إلى مداهنتهم الصريحة الظاهرة لأنظمة طاغية كافرة فاسدة - تحت ذرائع سد النقص والعجز - عُرفت بعدائها الشديد للإسلام والمسلمين - على رأس هذه الأنظمة الطاغية؛ النظام الرافضي الإيراني، والبعثي النصيري السوري - ولكل من هذه الأنظمة أجندتها التي تأبى أن تُعطي شيئاً من دون مقابل يدفعه الشعب الفلسطيني المسلم من دينه وعقيدته، وحريته، وكرامته، وثوابته؛ يكون أضعاف أضعاف ما قد تُعطي! ". انتهي
أليس حركة حماس التي تترنح تحت حصار ظالم ومعه الشعب الفلسطيني أولى بقبول الدعم من النظام الإيراني الذي تلتقي مصالحه مع حركة حماس في عدائه لإسرائيل ولو كان إعلاميا فقط!!!، ألم يقرر الشيخ أبو بصير أن هذه الأنظمة لا تعطي شيئا من دون مقابل يدفعه الشعب الفلسطيني، فكيف نفس هذه الأنظمة ستعطي الجماعات السورية دون أن تأخذ أضعافه من دين وعقيدة الشعب السوري!!!
فأمام الشيخ أبا بصير خياران لا ثالث لهما، الأول: التراجع عن قوله بشأن حركة حماس ويجيز لها أخذ الدعم، والثاني: أن يقرر بأن هناك مقابلا سيدفعه الشعب السوري من دينه وعقيدته.
وأما خطأ وبطلان التحاذق على الأنظمة وأخذ الدعم منها بلا شروط يكون من وجهين.
الوجه الأول: هذا الأمر ممتنع في بديهيات العقول في عالم السياسة والعلاقات الدولية في هذا العصر، إذ تعتمد على المصالح المتبادلة، حتى إعطاء الشعوب الدعم والمعونة يكون لمصلحة تحققها هذه الدول المعطية.
والثاني: أن هذه الدول والأنظمة قد تعطي الدعم لهذه الجماعات والتنظيمات بداية بدون شروط ولا مقابل حتى تكبر إلتزامات هذه الجماعات وتصبح تعتمد على هذا الدعم كليا، عندها يبدأ مسلسل الابتزاز وفرض الشروط ومتى كان الرفض الأولي من الجماعات يتم توقيف الدعم حتى تقع الجماعات في أزمة داخلية قد تعصف بوجودها من الجذور فتضطر لطلب الدعم مقابل تنفيذ مطالب هذه الدول الداعمة، وما رأيناه من تنفيذ شروط بعض الداعمين من تأسيس الجبهة الإسلامية والشامية مقابل الدعم كيف كان الفشل سريعا، وكذلك أين عاصفة الشمال وألوية كثيرة اختفت عن الخارطة عندما توقف الدعم بعد أن أصبحت ضعفية لا تف بحاجة الداعمين.
وأما عدم التفريق بين الجماعات المقاتلة والشعوب في أخذ الدعم، فهذا عجب عجاب، فكيف تقارن بين من يأخذ على سبيل الحاجة وليس عنده أي مشروع سياسي وبين من يقاتل لبناء دولة ويحمل مشروعا سياسيا وخصوصا إن كان إسلاميا. فمن مبادئ أي ثورة قامت في العصر الحديث عدم الاعتماد على الخارج والبحث عن الاكتفاء الذاتي. وكذلك من العجب أن نقيس قبول الهدية الشخصية على قبول معونة أو دعم لإسقاط طاغوت من طاغوت آخر وخصوصا إن كان مشروعنا لإقامة حكم الله في الأرض. وأما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من صفوان سلاحا فصفوان شخص وليس دولة وهو يخضع لسلطان دولة الإسلام. ولماذا أغفلت ذكر الحديث الذي رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنه " قال (ارجع لن أستعين بمشرك) ". ولا يخفى على الشيخ أبي بصير أن النبي عليه السلام اعتمد في حربه مع الكفار على مصدر الدعم الذي دله عليه المولى سبحانه وهو معلوم بنص القرآن والسنة، قال تعالى:" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ " ﴿الأنفال: (1)﴾، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " بعثتُ بينَ يدَي الساعةِ بالسيفِ حتى يُعبدَ اللهُ وحدَه لا شريكَ له وجُعِل رزقى تحتَ ظلِّ رمحى وجُعِل الذُّلُّ والصغارُ على مَن خالف أمرى ومن تشبَّهَ بقومٍ فهو منهم"، رواه أحمد في مسنده وصححه الشيخ أحمد شاكر، وقد أورده الذهبي بإسناد صحيح في كتاب سير أعلام النبلاء 15\ 509، وكذلك أورده ابن حجر بسند حسن مرسل في هدي الساري رقم أو صفحة 50. وبناء عليه فمصدر الدعم لمن أراد ان يقيم حكم الله في الأرض أن يكون من الغنائم والفيء وما شابه ذلك.
وأما ما ذكره الشيخ أبو بصير بحق شيخنا من الأمور الشخصية منها أنه كان يأخذ معونة من الحكومة البريطانية، فلا داع للرد عليها فهي ساقطة دون الكلام حولها.