5-وقد ذكر نوح عليه السلام حيثيات دعائه عليهم فقال: ( إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا)[نوح:27] أي أنهم لا خير يرتجى منهم، وتركهم وما هم عليه من الكفر ربما يحاولوا إغواء العباد المؤمنين، يقول سيد قطب رحمه الله: " فقد ألهم قلب نوح أن الأرض تحتاج إلى غسل يطهر وجهها من الشر العارم الخالص الذي انتهى إليه القوم في زمانه . وأحياناً لا يصلح أي علاج آخر غير تطهير وجه الأرض من الظالمين ، لأن وجودهم يجمد الدعوة إلى الله نهائياً ، ويحول بينها وبين الوصول إلى قلوب الآخرين . وهي الحقيقة التي عبر عنها نوح ، وهو يطلب الإجهاز على أولئك الظالمين إجهازاً كاملاً لا يبقي منهم دياراً أي صاحب ديار فقال : (إنك إن تذرهم يضلوا عبادك) .. ولفظة:(عبادك) توحي بأنهم المؤمنون . فهي تجيء في السياق القرآني في مثل هذا الموضوع بهذا المعنى . وذلك بفتنتهم عن عقيدتهم بالقوة الغاشمة ، أو بفتنة قلوبهم بما ترى من سلطان الظالمين وتركهم من الله في عافيه! ثم إنهم يوجدون بيئة وجواً يولد فيها الكفار ، وتوحي بالكفر من الناشئة الصغار ، بما يطبعهم به الوسط الذي ينشئه الظالمون ، فلا توجد فرصة لترى الناشئة النور، من خلال ما تغمرهم به البيئة الضالة التي صنعوها. وهي الحقيقة التي أشار إليها قول النبي الكريم نوح عليه السلام، وحكاها عنه القرآن:(ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً)فهم يطلقون في جو الجماعة أباطيل وأضاليل، وينشئون عادات وأوضاعاً ونظماً وتقاليد، ينشأ معها المواليد فجاراً كفاراً، كما قال نوح.
من أجل هذا دعا نوح عليه السلام دعوته الماحقة الساحقة . ومن أجل هذا استجاب الله دعوته ، فغسل وجه الأرض من ذلك الشر."(1)
(1) في ظلال القرآن 6/3717.