تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وبعد أن استفرغ طاقته، وبلغ وسعه معهم، أنبأه الله أن الغشاوة قد استحكمت على قلوبهم، وبلغ منهم العناد والكبر مبلغا حتى لم يعد يُرجى من ورائهم خير؛ فلن يؤمنوا بحال وأن عليه أن يجهز سفينة لنجاته هو ومن معه، فلما بدأ نوح عليه السلام في إعدادها قالوا له-ساخرين-: أتحولت نجارا بعد النبوة !! (1)

فلما رأى نوح استهزاءهم وسخريتهم رد عليهم بأنهم إن سخروا منه ومن المؤمنين معه فإنه هو والمؤمنون يسخرون منهم أيضا: وفي المقصود بسخرية نوح وجوه:

الأول : التقدير إن تسخروا منا في هذه الساعة فإنا نسخر منكم سخرية مثل سخريتكم إذا وقع عليكم الغرق في الدنيا والخزي في الآخرة . الثاني : إن حكمتم علينا بالجهل فيما نصنع فإنا نحكم عليكم بالجهل فيما أنتم عليه من الكفر والتعرض لسخط الله تعالى وعذابه فأنتم أولى بالسخرية منا. الثالث: أن تستجهلونا فإنا نستجهلكم واستجهالكم أقبح وأشد؛ لأنكم لا تستجهلون إلا لأجل الجهل بحقيقة الأمر والاغترار بظاهر الحال كما هو عادة الأطفال والجهال(2).

ثم تحول إلى تهديدهم فقال: (فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم) وهذا تهديد واضح قال ابن كثير: "وعيد شديد، وتهديد أكيد"(3)، وقال أبو حيان: "وفي قوله : (فسوف تعلمون) ، تهديد بالغ "(4).

(1) انظر: جامع البيان للطبري 15/310.

(2) التفسير الكبير للرازي 17/224.

(3) تفسير القرآن العظيم لابن كثير 4/320.

(4) البحر المحيط 5/106.

بحوث مؤتمر الحوار بالشارقة · الصفحة ٤٩٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث مؤتمر الحوار بالشارقةص ٤٩٢