إن الحوار الحضاري بين العالم الإسلامي والغرب يقتضي معرفة كل طرف بلغة محاوِره ، لأن اللسان وسيلة التواصل ، وأداة الفهم والإفهام ، وهذا الشرط الجوهري ليس بمرعي عند الطرف الغربي على المستويين الشعبي والنخبوي ، ولعل الشعب الأمريكي أكثر الشعوب قصوراً في مضمار اللغات الأجنبية عموماً ولغات العالم الإسلامي على وجه الخصوص ، وليس لدي من الأسباب التي أعزو إليها هذا القصور إلا أن يكون الحافز على التعلم معدوماً بدعوى تخلف المسلمين وتراجعهم إلى ذيل الركب الحضاري ، فليس لديهم من مثيرات المعرفة وثمرات العقول ما يحمل على امتلاك ناصية لغتهم ، وهذه دعوى عريضة تمليها المركزية الغربية ، وتنفخ فيها دواعي الاستعلاء الأجوف .وهنا أضطر اضطراراً إلى مخالفة الأستاذ حسن أوريد الذي ذهب مذهباً مجافياً لهذا التصور حين عدّ الغرب طرفاً مؤهلاً للحوار بامتلاكه ناصية المعرفة الواسعة بالآخر ، ونحى باللائمة على عالمنا الإسلامي الذي يعوزه الاطلاع على حضارة الغرب ولسانه ، وتنقصه المؤسسات الراعية للحوار ، يقول : ( إن الحوار يتم بمبادرة الغرب ، ويتميز الغرب بمعرفته الدقيقة والعميقة بالعالم الإسلامي ، سواء من خلال مؤسساته الكنسية أو الأكاديمية ومعرفته بجوانب الحياة في المجتمعات الإسلامية ، وامتلاك ناصية لغاته ) 1 . وفي هذا الرأي نظر ، لأن إتقان لغات العالم الإسلامي مقصور على نخبة غربية يمثلها أهل السياسة والعلم والاستشراق ، ورجال الأعمال والاستخبارات . والحق أن العالم الإسلامي كلِف بلغات الغرب ، وحريص على امتلاك ناصيتها ، تحدوه إلى ذلك حدواً رغائب شتى ما بين التعلّم في ديار الغرب ، والبحث في حضارته وأدبياته ، والإفادة من مستجداته ومخترعاته ، وأيا كان الباعث والحادي فإن عدداً موفوراً من المتعلمين المسلمين يتقنون الإنجليزية والإسبانية والفرنسية ، وهي لغات رسمية مقررة في المدارس والجامعات ، يحتفى بها أيما احتفاء ،
بحوث مؤتمر الحوار بالشارقة · الصفحة ١٧٢
النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.
بحوث مؤتمر الحوار بالشارقةص ١٧٢
إعدادات القراءة
حجم الخط
تباعد الأسطر
الخط
عرض النص
الألوان
الحركات
الحواشي