مهما يكن من أمر فإن جهل الغرب بالآخر / المسلم بلغ أقصى مداه ، وانتصب عقبة كأداء في طريق التواصل المرجو ، إذ لا بد للمحاور من الإلمام بالمرجعية الدينية والثقافية للطرف الآخر تيسيراً لسبل التفاهم ، وإنجاحاً لغرض الحوار ، وهذا ما ألح في طلبه الباحث مارسيل أ . بوازار في كتابه ( إنسانية الإسلام ) حين قال : ( لا يمكن تنسيق تعاون حقيقي ولا سيما في ميدان العلاقات الدولية إلا بشرط سابق وهو أن يتعرف الفرقاء بعضهم بعضاً ، ويظهروا رغبة حقيقية في التفاهم . لم تشجع أوروبا الاستعمارية مثل هذا الانفتاح الفكري إزاء العالم الإسلامي الذي كانت تسيطر عليه ، ربما لا تكون الدوافع التي حفزت على تحليل الغير كلها لئيمة ،ومع ذلك _ وباستثناء بعض الأحوال النادرة منها : لويس ماسنيون مثلاً _ كانت تلك الدوافع تفتقر إلى نزعة إنسانية حقيقية إذ كانت وحيدة الجانب. لقد غالى الاستشراق في الركون إلى تفوّقه المادي فحال واعياً أو غير واعٍ دون إنشاء حوار حقيقي يفضي إلى حكم أو تقويم سليم , وقد جلب هذا الاتجاه الذي ينظر إلى العقيدة المخالفة على أنها منحطة خيبةً ومقتاً ساعدا على زيادة الجفوة بين آراء الفريقين ) 1 .
ونغنم من هذا الشاهد _ فضلاً عن ضرورة تعرف الفرقاء بعضهم بعضاً في كل حوار بنّاء _ أن نزوع الغرب إلى معرفة الآخر / المسلم كان محكوماً بهاجس الهيمنة وباعث الاحتواء ، وإن بدا متدثراً في كثير من الأحيان بدثار البحث العلمي وشغف الاطلاع ، ولن يرعوي الأنا الغربي عن غيّه أو يفيء إلى رشده ، ما دام بناؤه الداخلي لا يستقيم أو يبلغ تمامه إلا بعملية ( ضرورية هي عملية تفكيك الآخر ، عملية سلبه أناه وإقصائه وتحويله إلى مجرد موضوع ) 2 .