تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا يبدو هنتينغتون مبشّراً بالصراع المرتقب بين الحضارات المتزاحمة فحسب ، بل يتدثّر بدثار الناصح الأمين ، فيقترح على أهل الحل والعقد بالإدارة الأمريكية كيفية إدارة الصراع الحضاري عبر مراحل متعاقبة تراعى فيها أولويات المعارك وطبيعة أساليب المواجهة ، حتى يكون الظفر في نهاية المطاف مأموناً ، وهو كسر شوكة الحضارة الإسلامية والصينية ، وإقصاء كل مخالف معادٍ للحضارة الغربية ، وتصدّر ركب السيادة دون شريك مزاحم ، ( وخاصة إذا جمع هذا الشريك بين التميز الثقافي والحضاري وبين نهضة التحديث وقوة التجديد ) 2 .

وإذا كان أكثر مفكري الغرب يلوّح بمقولة واحدية الحضارة تغريراً بأهل الإسلام واستدراجاً لهم لاستلهام النموذج الحضاري الغربي ، فإن من الإنصاف أن نقرَّ لهنتينغتون بشجاعة أدبية نادرة ، وصدق في الإفصاح عن موقف الغرب من كل حضارة منافسة ؛ ذلك أنه ينصّب الرافد الثقافي معياراً لتعدد الحضارات التي قد تشترك في عمران الواقع المادي وأنماط المدنية ، ولكنها تنفصل إلى حد التدابر والتجافي في عمران النفس الإنسانية التي يصقلها الدين وترفدها الثفاقة .

بيد أن شجاعة الموقف لا تشفع لهنتينغتون في مقام الغربلة النقدية لنظرية ( صراع الحضارات ) التي أضرمت نار الحرب الباردة بعد أن وضعت أوزارها ، إلا أن العدوَّ بات الإسلام والعالم الثالث عوض الشيوعية والاتحاد السوفييتي كما يقول المفكر إدوار سعيد 3 .

1 مسألة الهوية : العروبة والإسلام والغرب لمحمد عابد الجابري ، ص 179 .

2 في فقه المواجهة بين الغرب والإسلام لمحمد عمارة ، 69 .

3 جريدة الحياة اللندنية ، العدد : 11686 ، 17 فبراير ، 1995 م .

بحوث مؤتمر الحوار بالشارقة · الصفحة ١٦٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

بحوث مؤتمر الحوار بالشارقةص ١٦٢