وقد تأوله أصحاب كتب الوجوه بمعنى القلع، والعذاب، وصفات الله سبحانه لا يجوز ولا يصح إقحامها بين وجوه أي لفظ كان، لأنَّها لا تشبه صفات البشر، قال الله تعالى: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِير) ﴿الشورى: 11﴾ فذات الله ليس كمثلها شيء، وكذلك صفاته ليس كمثلها شيء.
وجعلهم الإتيان في الوجه السادس بمعنى الجماع يعدُّ من الكنايات وليس من الوجوه في قوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) ﴿الشعراء: 165﴾ وكذلك جعلهم الإتيان بمعنى العمل في الوجه السابع في قوله تعالى: (وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ) ﴿العنكبوت: 29﴾ لأنَّ المراد من المنكر ((المضارطة، والمجامعة، والسباب، والفحش)) (1) وهذه من الكنايات وليست من الوجوه فإنَّه ((يُكنى بالإتيان عن الوطء ومنه: أتى امرأته، وقوله تعالى: (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ) ﴿الشعراء: 165﴾ وقوله تعالى: (لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء) ﴿النمل: 55﴾ من ذلك، وهو من أحسن الكنايات)) (2)
وجعلهم الإتيان في الوجه الثامن بمعنى: الإقرار والطاعة في قوله وتعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ إِلا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) ﴿مريم: 93﴾ مفهوم من قوله: (عَبْدًا) أي: هو معنى السياق، وليس معنى الإتيان؛ وكذلك جعلهم الإتيان في الوجه الخامس عشر بمعنى: المفاجأة في قوله: (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا) ﴿يونس: 24﴾ جاء من عدم تعيين إيتاء أمره،
(1) مدارك التنزيل ص 891.
(2) عمدة الحفاظ 1/ 56 وينظر: تاج العروس 37/ 19.