شغله قبل في سابق الأزمان، مما نازع في قلبه قبل تجريد التعلق بالله، حتى إن ظاهره ليدل على مراده وغاية سعيه، فترى ذلك الانخلاع حتى أنه ينزع عن نفسه ثيابه، ينزع عن نفسه زينة الدنيا، يخلع رق الدنيا، لا يريد أن يكون بعد ذلك اليوم عبداً لشيءٍ منها، لا يريد أن يتعلق قلبه بشيءٍ فيها، يخلع وينزع، ولولا العورة لحج لبيت الله عارياً، فهو لا يريد من الدنيا متاعاً إلا ما يبلغه، فمتاعه في الحج بلاغ يتبلغ به، يشح بنفسه، يشح بوقته أن يضيع في غير ما ذكرنا من الانشغال بوظائف الطاعات.
فهذا التجرد في ظاهره والانخلاع عن زينة الدنيا وعن أسبابها، لهو الدليل على ما حقه أن يكون في باطنه وقلبه من الانخلاع من أسباب الدنيا، من نزع ما يتعلق به القلب، أن ينزع من نفسه ما تعلقت به من تلك الأسباب والدعاوى، من المِلك والكسب والحسب والجاه والمال والولد.
فهو الآن في عملية استخلاص، فكأن نفسه تستخلص مما قد شابها، فإذا تم له الانقطاع ظاهراً وباطناً فقد استنقذ نفسه بتخليصها، وحقه أن يرجع من حجه كيوم ولدته أمه، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: (من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) (متفق عليه).
إذا فات العبدَ الحج، لم يفته ما فيه من الغايات:
فإذا فات العبدَ الحج، لم يفته ما فيه من الغايات، فإن فات العبد ذلك الحال وهو أكمل الأحوال - وهو أن يتلبس بالانقطاع لله ظاهراً وباطناً عن كل ما سواه قاصداً بيته الحرام متجرداً لله تعالى عن كل أسباب الدنيا- فإنه لا يفوته تحقيق غاية ذلك، فغاية ذلك تنصرف إلى كل ما دون الحج من وظائف الخدمة والأعمال الصالحات، فما زال له كثير من الأعمال التي يحقق بها تلك الغاية ولا يمكن أن يفوته - وإن كان على مرتبة أدنى من مرتبة حال الحج- فإذا ما صلى استصحب ذلك المعنى، فاشتغلت جوارحه بالانقطاع لله عن كل ما سواه، فأحسن الصلاة وأتم أركانها وواجباتها واعتنى بمستحباتها وسننها، وخرجت منه صورة الصلاة على ما يرضى به الله، اقتداءً بما كان عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم اعتنى في صلاته بأن يحقق الانقطاع والتجرد فيما طلب، فتلك صلاة تختلف عن كل صلاة.