فيتلبس ظاهر العبد بالأعمال المشرفة، من وظائف الخدمة بطاعة الله تعالى. ويتلبس باطن العبد بالتجرد لله تعالى إخلاصاً وحباً وقصداً، فظاهره منشغل مستخدم في وظيفة من وظائف الخدمة والطاعة، وجوارحه مستأجرة في الأعمال الصالحات. باطنه منشغل مستغرق قلبه في تحقق التجرد والإخلاص والقصد لله، لا يتعلق بغيره، ولا ينظر إلى ما سواه، كل شيء سوى الله قد اضمحل، بل تلاشى ولا يجد له أثرا بعد عين، ذهب عن قلبه وراح، يرجو ألا يعود، فإن كان لابد أن يعود، فحق تلك الأيام ألا يعود فيها، لا يشوب حق التجرد والإخلاص والقصد والتوجه والمحبة والتعلق بالله تعالى شيء.
فيتحقق ذلك الانقطاع وقد تلبس باطنه بحسن التجرد والقصد، ويتحقق ذلك الانقطاع وقد انشغل ظاهره بالوظائف.
فلا تجد في تلك الأيام من العبد لحظات قد فرغت فيها جارحة عن اشتغال بوظيفة من وظائف الخدمة والطاعات، بل جوارحه مستأجرة مستغرقة، لا يكاد العبد يرى من نفسه فراغاً في لحظات تلك الأيام، بل عاداته لابد أن تتبدل في تلك الأيام، فما منه بدٌ تركه، وزهد فيه، فحق تلك الأيام ألا تجعل زمانا لفضول العادات. فما لم يكن منه بد من أمور المعاش، استحدث لها في القلب نيات لم تكن فيما سوى تلك الأيام، نيات ترتحل بها تلك العادات إلى مواقع العبادات.
بل عاداته تختلف في ظاهرها، تختلف صورها، فإن خرج لقضاء حاجاته، خرج بوجه أخر غير ذلك الوجه الذي يخرج به في غير تلك الأيام، خرج منبسطاً باذلاً معروفه، قد أوقف على المسلمين كريم خلقه، علم أن تلك الأيام أيام انقطاع ووظائف فبخل وشح بتلك اللحظات التي يقضي فيها حاجات لابد له منها في تلك الأيام، شح بتلك اللحظات ألا تكون موظفة ومستغرقة كذلك في البر والطاعات، فكلماته اليوم تختلف عن سابق الكلمات، فمن سمع كلماته قال هذه كلمات تختلف، ومن رأى وجهه قال: نرى وجهاً غير الذي كنا نرى، ونسمع صوتاً غير الذي كنا نسمع. فهذا حال انقطاع العبد مع الله.
الحج أكمل الأعمال في تلك الأيام:
وأكمل ما يكون من الأعمال لقيام تلك الحال في تلك الأيام المباركة هي أعمال الحج، فالحج يحقق معنى التجرد عن كل ما سوى الله، فالعبد ينزع عنه كل ما يعرض لأمر تجرده وانقطاعه، مما