هي صلاة صارت بدلاً عن الحج إلى بيت الله الحرام في تلك الأيام، صلاة يجرد فيها باطنه، يتخلص فيها قلبه من كل شائبة، ومن كل تعلق، ومن كل تفكر وتدبر إلا فيما يتلو من كلام الله، إلا في إحسان ما تَعبده الله - عز وجل -.
فإذا صام فصومه غير الصوم الذي مضى وراح.
وإذا تصدق فصدقةً أخرى يتحقق بها غاية الحج.
وإذا ما ذكر الله ذكره منقطعاً، منقطعاً بباطنه مخلصاً بنفسه من شائبة التعلق بكل ما سوى الله.
فهو يحقق بالأعمال وإن صغرت في عين فاعلها غاية الحج الأكبر، وغاية الوقوف بعرفة، وغاية الطواف، وغاية السعي بين الصفا والمروة، وغاية رمي الجمرات، غاية نحر الهدي، غاية فعل الصلوات في تلك البقاع المباركات، تلك الأعمال المشرفات العظيمات لها غايات محمودات، إن فاتت الأعمال لم تفت العبدَ تلك الغايات والأحوال فلابد أن يستصحبها فيما دون ذلك مما أقدره الله عليه من الأفعال.
ولقد كان نبينا - صلى الله عليه وسلم - على أتم الأحوال في كل الأزمنة والأمكنة، متحققا في حاله المشرفة ما أمره به ربه فقال: (وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلا) (المزمل:8)، وقال جل ذكره: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162 - 163)، فهو أتم الأحوال وأرقى المقامات منقطعاً لله طوال حياته.
فتلك الأيام المسوقة إلى العبد لهي مُعينة له أن يترقى ليُداني مقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإن أعجزه ذلك طوال العام فلا يعجزه ذلك في تلك الأيام، أيام يعان فيها على أن يحقق الانقطاع التام ظاهراً وباطناً لله ليكون على حال تقارب حال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) (الأنعام: 162 - 163)، في كل الأزمنة، وفي شتى الأمكنة حتى آخر لحظات الحياة، هكذا كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. أعجز حاله كل العباد، ما يستطيع واحد من العباد أن يأتي منقطعاً لله كما كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
فرحمكم الله وأعانكم، وساق إليكم تلك الأيام التي يعان العبد فيها على الاقتداء والاهتداء بتلك الحال المشرفة التي كان عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من التبتل والانقطاع لله، والانقطاع ظاهراً