بعد عرض هذه الآراء أرى شخصيًا رجحان رأي الأحناف الذين لا يجيزون الشهادة على الشهادة في القصاص والحدود درءًا للشبهات وصيانة للدماء، وفي هذه الحالة إذا اقتنع القاضي بالشهادة النقلية في جريمة القتل العمد مثلًا معضدة بقرائن أخرى أيضًا مع الشهادة على الشهادة، فأنا شخصيًا أرى ألا يحكم على المتهم بالقصاص درءًا للشبهة. لكن ليس معنى ذلك أن المتهم سيفلت من العقاب، للقاضي أن يحكم على المتهم بالدية المقررة في الفقه الجنائي الإسلامي؛ ممكن يحكم عليه بدية مغلّظة، له بحبوحة هنا القاضي في هذا.
ولو أن قاضيًا اجتهد وأخذ بالرأي الآخر فهذا رأي مشهور ورأي كبير أيضًا، يعني اطمئن بشهادة النقل بعدلين شهدا على عدلين أنهما شهدا أن فلانًا قتل فلانًا، أو أنه اقترض من فلان، أو أنه طلّق زوجته، أو أن فلانًا شرب خمرًا، فعند هذا الرأي يجيزونه. ولكن بالنسبة لرأي الأحناف ومن شايعهم فإنهم يقولون الحدود تُدرأ بالشبهات، ولا يُقبل الشهادة على الشهادة في القصاص والحدود درءً للشبهات وصيانة للدماء.
إذًا هذا طريق من طرق الإثبات.
هناك طريق آخر من طرق الإثبات، وكما قلت لكم في بداية الدورة إن الإمام ابن القيم عدّ حوالي ست وعشرين طريقًا من طرق إثبات الدعوى أمام القاضي. وعدّ من هذا الطريق أيضًا الحكم بالشاهد واليمين.
الحكم بالشاهد واليمين:
الأصل أن الذي يشهد أمام القاضي كما قلت لكم في نصاب الشهادة هم شاهدان أو ثلاثة شهود أو أربعة شهود. لكن نفترض أن هناك واحدا ليس عنده إلا شاهد واحد، هل تُقبل هذه الشهادة أمام القاضي ليثبت حقه وليثبت حقه في الدعوى أمام المدّعى عليه؟ يعني هو يدّعي على فلان ولكن لا يوجد عنده إلا شاهد واحد فماذا عساه أن يفعل؟
هناك رأيان في الفقه الإسلامي.
• ابن القيّم ينتصر للرأي الذي يجوّز الحكم بالشاهد واليمين. ويقول: هذا مذهب فقهاء الحديث كلهم ومذهب فقهاء الأمصار ما خلا الإمام أبا حنيفة وأصحابه.