﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾: أي فلا تكن - أيها الرسول - في شَكٍّ من القرآن، بعد ما شَهِدَتْ الأدلة على أنه مِن عند اللهِ تعالى، ﴿إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ (واعلم أنَّ هذا الكلام - وإنْ كان خطابًا للرسول صلى الله عليه وسلَّم - فإنه مُوَجَّه للأمَّةِ عموماً)، ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (لِعِنادهم واتِّباعهم لأهوائهم).
الآية 18، والآية 19: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ يعني: ولا أحد أشد ظلماً ﴿مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ - فزَعَمَ أنّ له شريكاً أو ولداً - ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ﴾ أي سيُعرَضون ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ يوم القيامة ليُحاسبهم على أعمالهم، ﴿وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ﴾ (والأشهاد: جَمْع شاهد، وهم: الملائكة والنبيون وأعضاء الإنسان، والأرض - التي فُعِلتْ عليها الطاعات والمعاصي -، وغير ذلك).
?فهؤلاء يَشهدون على الكاذبينَ يوم القيامة، ويقولون: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ﴾ فغَضِبَ عليهم، وطَرَدَهم من رحمته ﴿أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (أي بُعداً لهم مِن رحمة اللهِ تعالى)، وهؤلاء الظالمون هم ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي يَمنعون الناس عن الدخول في سبيل اللهِ المُوَصِّلة إلى جَنَّته (وهي الإسلام) ﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ أي يريدون أن تكون هذه السبيل عَوجاء لِتُوافِق أهوائهم، ﴿وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ فلا يُؤمنون ببَعثٍ ولا جزاء.
الآية 20، والآية 21، والآية 22: ﴿أُولَئِكَ﴾ الكافرون ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾: أي لم يكونوا لِيَهربوا من عذاب اللهِ في الدنيا، بل هو قادرٌ على أنْ يُنزل بهم عذابه مَتَى أرادَ ذلك، ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ أي ليس لهم مِن أنصارٍ يَمنعونهم مِن عقابه سبحانه، و ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ في جهنم، لأنهم ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: أي كانوا لا يَستطيعون أن يَسمعوا القرآن سَماعَ تَدَبُّر وانتفاع ﴿وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أي: وما استطاعوا أن يُبصِروا آيات اللهِ - في هذا الكون - إبصارَ تَفَكُّر واهتداء (وذلك لاشتغالهم بالباطل الذي كانوا مُقيمين عليه)، ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي أهلكوا أنفسهم بدخولهم النار وخلودهم فيها، (إذ معنى خُسران النفس: عدم الانتفاع بها في الدنيا، حين كان في إمكانهم أن يَجعلوها تفعل الخير الذي يُؤدي بهم إلى الجنة)، ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾: أي ذهب وغاب عنهم ما كانوا يَزعمونه كَذِباً مِن شفاعة آلهتهم لهم عند ربهم، ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي حَقًا، ولا شَكَّ ﴿أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾ أي أخْسَرُ الناسِ صَفَقةً، لأنهم استبدلوا النعيم المُقيم بالعذاب الأليم.
الآية 23: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ أي انقادوا للهِ تعالى وخَشَعوا له: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، (واعلم أنّ الخُشوع هو الذل والخوف من اللهِ تبارك وتعالى، فالخاشعون ذليلون