5. الربع الخامس من سورة هود
الآية 84: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ أي: ولقد أرسلنا إلى قبيلة مَدْيَن أخاهم شُعيباً، فـ ﴿قَالَ﴾ لهم: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وحده، فـ ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ﴾ يَستحق العبادة ﴿غَيْرُهُ﴾ فأخلِصوا له العبادة، ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ أي: ولا تنقصوا الناسَ حقوقهم في مَكاييلهم ومَوازينهم، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: يعني إني أراكم في سَعَةٍ من العيش، لا تحتاجون معها إلى هذا الغش، ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ﴾ - بسبب الشِرك وإنقاص الكَيل والميزان - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أي يُحِيطُ بكم، ولا يُبقِي منكم أحداً.
?واعلم أنّ هذا مِن آداب النصيحة: أن تبدأ بالثناء على مَن تنصحه - فإنّ الناسَ قد فَطَرَهم اللهُ على حُبّ مَن يَمدحهم -، وذلك بأنْ تَذكُر له أيَّ صفةٍ جيدة فيه، كأنْ تقول له: (واللهِ أنا سعيد جداً لأنك حريص على صلاة الجماعة، ولكني - واللهِ - أخافُ عليك مِن فِعل كذا، لأني أحبك)، فبهذا يَقبل منك النصيحة.
الآية 85، والآية 86: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ﴾ يعني أتِمُّوا الكَيل والميزان بالعدل، ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ أي لا تُنْقِصوا الناس حقهم في عموم أشيائهم.
????? واعلم أنه قد أعاد النداء عليهم في قوله: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ بعد أن نَهاهم عن ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ لزيادة التأكيد والتنبيه على إيفاء الكَيل والميزان.
﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ أي لا تسعوا في الأرض بأنواع الفساد، كالشرك والمعاصي وأكْلُكُم أموال الناس بالباطل، فـ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾ يعني: ما يَتبقى لكم من الربح الحلال - بعد إتمام الكَيل والميزان - هو ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ممَّا تأخذونه بالغش وغير ذلك من الكسب الحرام، فإنّ اللهَ يُبارك لكم في الحلال - ولو كان قليلاً - بشرط: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (فإنّ البَقية الحلال لا تكونُ خيراً إلاّ للمؤمنين)، ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ يعني: وما أنا عليكم برقيب أحفظ عليكم أعمالكم وأحاسبكم عليها، وإنما أُبَلِّغكم ما أُرْسِلتُ به إليكم.
الآية 87: ﴿قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ﴾ التي تُداوم عليها ﴿تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا﴾ من الأصنام، ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾: يعني وتأمرك أيضاً أن نَمتنع عن التصرف في كَسْب أموالنا بما نشاءُ مِن احتيالٍ ومكر؟!، ثم قالوا - استهزاءً به -: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ (ومعنى كلامهم: كيف تكون أنت الحليم الرشيد، ويكونُ آباؤنا هم السُفهاء الضالون؟!)، وهذا كقول الملائكة لأبي جهل - وهو في النار -: ﴿ذُقْ إنك أنت العزيز الكريم﴾.