جيش المسلمين كان اثني عشر ألفاً، وكان عَدُوُّهم أربعة آلاف فقط)، ﴿فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾: أي فلم تنفعكم هذه الكثرة، بسبب غروركم واعتمادكم على الأسباب دونَ الاعتماد على نَصْر ربكم، فظَهَرَ عليكم العدو، وانهزمتم في أول اللقاء، ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾: أي لم تجدوا مكاناً تهربون إليه في الأرض الواسعة، كأنكم مَحصورون في مكان ضيق، ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾: يعني ثم فرَرْتم مُنهزمين، ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ﴾ أي أنزل الطمأنينة والثبات ﴿عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ فثَبَتوا، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "أنا النبي لا كَذِب، أنا ابن عبد المُطَّلِب، اللهم نَزِّل نَصْرك"، فاستجابَ اللهُ دعائه ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ من الملائكة، فنَصَرَكم على عدوكم، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأيديكم وأيدي الملائكة ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ من المشركين الذين بَقوا أحياء بعد الحرب، فيُدخِلهم في الإسلام ويَغفر ذنوبهم، ويَرحمهم بدخول الجنة ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
الآية 28: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ أي أصحابُ نجاسة معنوية (وذلك لِخُبث أرواحهم بالشِرك)، ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾: أي فلا تُمَكِّنُوهم من الاقتراب من الحَرَم بعد هذا العام (وهو العام التاسع من الهجرة، أو عام حجة الوداع - على خِلافٍ بين المفسرين (، ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾: يعني وإن خِفتم فقرًا لانقطاع تجارتهم عنكم: ﴿فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ويُعَوِّضكم عن هذه التجارة ﴿إِنْ شَاءَ﴾ سبحانه ذلك (واعلم أنّ هذا الاستثناء منه سبحانه حتى تَبقى قلوب المؤمنين متعلقةً بربها، راجيةً فضله، خائفةً مِن زَوال نعمته وتَحَوُّل عافيته، غيرَ غافلةٍ عن طاعته وتقواه، ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ﴾ بحالكم، ﴿حَكِيمٌ﴾ في تدبير شؤونكم، فلا يَضع سبحانه شيئاً إلا في مَوضعه (وفي ذلك إرشادٌ لمن أراد فَضْلَ اللهِ تعالى ورحمته: أن يجتهد في أن يكون أهْلاً لذلك بالإيمان والطاعة).
الآية 29: ﴿قَاتِلُوا﴾ الكفار المُحارِبين ﴿الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ﴾ إيماناً صحيحاً يَرضاهُ اللهُ تعالى، ويُنجي صاحبه من عذاب الله (كما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم) ﴿وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ كالخمر والربا وسائر المُحَرَّمات ﴿وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ﴾: أي والذين لا يَلتزمون بأحكام الإسلام ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ﴾: أي حتى يَدفعوا الجِزْيَةَ التي تفرضونها عليهم (واعلم أنّ الجِزْيَة هي قَدْر مالي مُحَدَّد يَدفعه أهل الكتاب لِوُلاة أمور المسلمين في كل سَنَة مقابل حمايتهم)، فإنّ الإسلام يُعرَضُ أولاً على أهل الكتاب، فإنْ قَبلوه: فهو خيرٌ لهم في دُنياهم وأُخراهُم، وإن رفضوه: يُطلَبُ منهم الدخول في حماية المسلمين تحت شعار: الجِزْيَة، وهي رَمزٌ دالّ على قبولهم لحماية المسلمين، فإذا دفعوها: حَقَنوا دماءهم، وحَفظوا أموالهم، وأمِنوا في حياتهم وكنائسهم.