منعوكم من أداء العمرة (عام الحُدَيْبِيَة)، فلا يَحمِلَنَّكم بُغضُهم على ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ عليهم بغير ما أذِنَ الله لكم (وهو قتالهم إن قاتلوكم، وترْكهم إن تركوكم)، ﴿وَتَعَاوَنُوا﴾ فيما بينكم ﴿عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾: أي على فِعْل الخير وتقوى الله، ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ﴾ وهو التجرؤ على المعاصي التي يأثم صاحبها، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾: وهو التعدي على الخَلْق في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، (وعلى هذا فيجب على العبد أن يَكُفَّ نفسه عن إعانة غيره على أي معصيةٍ أو ظُلم)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾: أي عقابه شديد لا يُطاق ولا يُحتمَل.
الآية 3: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهو الحيوان الذي تفارقه الحياة بدون ذبْح شرعي، ويُستثنَى من ذلك مَيْتة الجَراد والسمك، فإنهما حلال (كما ثبتَ ذلك في السُنَّة)، ولَعَلَّ الحكمة من تحريم المَيْتة: هو احتقان الدم في جوفها ولحمها، مما يتسبب في إضرار مَن يأكلُ منها، ﴿وَالدَّمُ﴾: يعني وحُرِّمَ عليكم شُرب الدم، ويُستَثنى من الدم: (الكبد والطحال) فإنّ أكْلهما حلال، كما ثبت ذلك في السُنَّة.
- واعلم أن المقصود بالدم المُحَرَّم هنا هو الدم المسفوح (أي السائل المُراق)، كما ذَكَر تعالى ذلك في آيةٍ أخرى فقال: (أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا)، (وأما الدم غير المُراق، وهو الذي يختلط باللحم أو الذي يكون في المخ والعروق وما شابَه: فإنه لا شيءَ فيه).
﴿وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾: يعني وكذلك حُرِّمَ عليكم لحم الخنزير، فلا تغتروا بمَن يَستحلونه (افتراءً على الله)، بل هو مُحَرَّم مِن جُملة الخبائث، ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾: يعني وكذلك حُرِّمَ عليكم كل ما ذُكِرَ عليه - عند الذبح - غيرُ اسمِ الله تعالى، ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ﴾ وهي التي حُبِسَ نَفَسُها حتى ماتت (كأن تموت غريقة، أو تُخنَق بحبل، سواء بقصد أو بدون قصد)، ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ وهي التي ضُربَت بعصا أو حجر حتى ماتت، أو التي هُدِمَ عليها شيءٌ، ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ وهي التي سَقطت من مكان عالٍ، أو سَقطت في بئر فماتت، ﴿وَالنَّطِيحَةُ﴾ وهي التي ضَرَبَتْها أخرى بقرْنِها فماتت، ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾: يعني وحَرَّم الله عليكم البهيمة التي أكلها السبع (كالأسد والنمر والذئب، ونحو ذلك)، فإنها إذا ماتت - بسبب افتراس السبع لها - ثم أدركتم منها جزءاً لم يأكله السبع، فإن هذا الجزء لا يَحِلّ لكم أكْله.
• وأما قوله: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾: يعني واستثنى - سبحانه - من هذه المُحرَّمات: أن تدركوا ذبْح البهيمة (قبل موتها بأحد الأسباب المميتة، كالخنق والسقوط وغير ذلك)، فحينئذ يَحِلّ لكم أكْلها، بشرط أن تدركوا ذبْحها والروح مستقرة فيها.