4. الربع الرابع من سورة المائدة
الآية 41: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: أي لا تحزن بسبب الذين يسارعون في جحود نُبُوَّتك ﴿مِنَ﴾ المنافقين ﴿الَّذِينَ قَالُوا آَمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ فإني ناصرُكَ عليهم، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا﴾: يعني ولا يَحزُنك أيضاً تسرُّع اليهود إلى إنكار نبوتك، فإنهم قومٌ ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾: أي يستمعون للكذب، ويَقبلون ما يَفترِيهِ أحبارُهم، ﴿سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آَخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾: يعني ويَقبلون كلامَ قومٍ آخرين لا يحضرون مجلسك، وهؤلاء الآخرون ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾: أي يُبَدِّلون كلام الله مِن بعد ما عَقَلوه، و ﴿يَقُولُونَ﴾ لليهود الذين يحضرون مجلسك: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾: يعني إن جاءكم مِن محمد ما يوافق الذي بدَّلناه وحرَّفناه من أحكام التوراة فاعملوا به، ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾: يعني وإن جاءكم منه ما يُخالفه فاحذروا أن تقبلوه أو تعملوا به، ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾: يعني ومَن يَشأ اللهُ إضلاله، فلن تستطيع دَفْعَ ذلك عنه، ولن تقدر على هدايته، ﴿أُولَئِكَ﴾ أي المنافقون واليهود هم ﴿الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ من دَنَس الكفر، ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: أي ذلُّ وفضيحة، ﴿وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
الآية 42: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: يعني: وهؤلاء اليهود يجمعون بين الاستماع إلى الكذب وقبوله وبين أكْل الحرام، ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ﴾ يتحاكمون إليك ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يعني فاقضِ بينهم، أو اتركهم، ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ﴾ يقدروا على أن ﴿يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾: أي بالعدل ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
الآية 43: ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ﴾: يعني: إنَّ صنيع هؤلاء اليهود عجيب، فهم يَحتكمون إليك - أيها الرسول - وهم لا يؤمنون بك ولا بكتابك، مع أن التوراة التي يؤمنون بها ﴿فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾: أي ثم يتولَّون مِن بعد حُكمك إذا لم يُرضِهِم، فجمعوا بذلك بين الكفر بشرعهم، وبين الإعراض عن حُكمك، ﴿وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾.
الآية 44: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾: يعني فيها إرشاد من الضلالة، ونورٌ مُبَيِّن لأحكام الحلال والحرام، مُخرِجٌ من ظلمات الجهل، ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ يعني: وإنَّ النبيُّين - الذين انقادوا لحكم الله تعالى - قد حكموا بالتوراة ﴿لِلَّذِينَ هَادُوا﴾: أي قد حكموا بها بين اليهود، ولم يَخرجوا عن حُكمها ولم يُحَرِّفوها، ﴿وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾: يعني وكذلك قد حكم بها عُبَّاد اليهود وعلماؤهم (الذين يُرَبُّون الناس بشرع الله)، وذلك ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ﴾: أي بما استأمنهم أنبياؤهم على تبليغ